.

اللص الشريف وتاريخه الخفى فى عصور الخلافة!

Foto

لماذا تم تهميش العديد من المسلمين العاديين فى التاريخ الإسلامى فى مُقابل التركيز على الحكام؟ كيف ثار الزنوج أكثر من مرة على الخلافة الإسلامية؟


قد نعرف «ابن حميدو» من شاشات التليفزيون والسينما، وهو شخصية هزلية خيالية قلبًا وقالبًا، وقد نعرف روبن هود أو أرسين لوبين، وهما شخصيتان روائيتان فيهما رائحة -مجرد رائحة- عابرة من الحقيقة، لكننا بالقطع لا نعرف «ابن حمدون» مع أنه شخصية جادة ولها تاريخ مثير على أرض الواقع.


 يسبق روبن هود وأرسين لوبين فى وصف «اللص الشريف» بمئات السنين، ذلك اللص المتمرد على الظلم الذى يسطو على الأغنياء ويفرق ما يغنمه منهم على المعوزين والمحتاجين والمساكين والفقراء، لكن تاريخ الغرب أحاط اللصين الشريفين بدائرة من الضوء عكست صورتهما وحكايتهما أمام الجمهور.


لكن ابن حمدون عاش فى الضوء ومات منسيا مجهولا كأنه لم يكن موجودًا، ليس هو فحسب، بل عشرات مثله حفل بهم التاريخ الإسلامى على هوامشه الخفية.


وبالطبع، تاريخ المسلمين لا يختلف عن تاريخ أغلب أمم  العالم إلا القليل منها، هو تاريخ الحكام والصراعات والحروب والغزوات، وما يدور فى أفلاكها من ثقافة وعمران وفنون، حتى لو اختلف توصيف الحاكم من ملك إلى أمير مؤمنين أو من إمبراطور إلى خليفة، ويكاد يهمل العاديين من البشر، هؤلاء العوام الذين لا يشعر بوجودهم السلطان، أى سلطان، إلا حين يخرجون عليه بغضبهم أو سيوفهم طالبين العدل.


ومع أن تاريخ الخلفاء يتحدث طول الوقت عن رخاء فى العيش وبحبوحة فى الحياة وسعة فى وسائل الراحة وثراء فى بيت المال وتخمة فى جيوب المسلمين، فإن هذا التاريخ حفل بتمردات وثورات باحثة عن العدل الاجتماعى، رافضة شظف العيش والفقر والعوز، ثورات فجرها المهمشون من المسلمين، ولم ينالوا حظهم من الرعاية والكتابة عنهم؛ لأسباب عديدة:


أولا: كتب القدماء التاريخ وصفًا وسردًا، دون تحليل وتفسير وتعليل، والوصف والسرد يميلان بطبعهما فى ذلك الزمان إلى أهل السيف من حكام وفرسان وقادة جيوش، وأهل القلم من شعراء وفقهاء وأدباء وكتاب علم الكلام.


ثانيًا: أدرج القدماء تاريخ العوام وحركاتهم فى مكانة سفلية، واعتبروهم سوقة ورعاعًا وأراذل وزنادقة وأهل فتن وبدع، فكيف يدونون لهؤلاء «السفلة» تاريخا بقدر ما يدونون للسادة والأكابر.


وكان هذا موروثًا من الجاهلية، إذ كان حال العوام عدما وفقرا وفاقة وحرمانا، إلى حد وأد البنات خشية إملاق.


ولم يسكت المهمشون أو بعضهم، وانقلبوا إلى صعاليك يشكلون عصابات منهم احترفت الإغارة على القوافل العابرة للصحراء، وكانوا يوزعون كثيرًا من هذه المغانم على المحتاجين، ولم يحتفظ التاريخ باسم أى زعيم لهم، وإن دون الظاهرة وما كتبه شعراء عنها؛ مثل طرفة بن العبد وعروة بن الورد!


وبسطوع شمس الإسلام، وجد المستضعفون والمهمشون والضائعون ظهيرًا وسندًا فى دعوته للعدالة والإخاء والمساواة.

ويقول الدكتور محمود إسماعيل فى كتابه البديع الماتع «المهمشون فى التاريخ الإسلامى»: وتحسنت أحوال العوام فى زمن  خلافة أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب، إذ كانت الثروة توزع بالعدل، ولم تتغير الحال إلا فى زمن الخليفة عثمان بن عفان، إذ اختل هذا الميزان ونشبت الفتنة أظافرها فى جسد الأمة، وأصبح على بن أبى طالب راعيًا للمستضعفين من الثوار الذين ساندوه وتشيعوا به بعد مقتل عثمان.


وبالطبع، غابت العدالة إلى حد كبير فى توزيع الثروة، وخرج العاديون والمهمشون إلى صفوف المعارضة، ونالهم التنكيل والمطاردة، لكنهم لم يرضخوا ولم يستسلموا، وصنعوا ثورات اجتماعية فى سائر الولايات، وهجروا المزارع التى كانوا يعملون فيها، وتنصلوا من دفع العبايات والمغارم، ثم انضموا إلى العباسيين وأسقطوا معهم الدولة الأموية!


ويفرد الدكتور محمود إسماعيل فصلا عن ثورة الزنج الأولى، وأتصور أنها الثورة المفتاح فى التاريخ الإسلامى كله، على الرغم من أن الكتابات عنها تكاد تكون نادرة، ووردت أحداثها فى كتب الأقدمين ورودًا عابرًا دون تحليل لوقائعها أو تعليل لأسباب اندلاعها.

ويفسر الدكتور محمود هذا الإهمال بنزعة التعصب العرقى التى تعاظمت فى العصر الأموى، والذى عرف باسم «عصر السيادة العربية»، بينما الثورة أشعلها مهمشون من الزنوج المجلوبين من إفريقيا و«الزُّط»، وهم عبيد مجلبون من الهند وسخّرهم أغنياء الأمويين من أمراء ووُلاة وقادة لفلاحة أراضيهم وضياعهم.


وكان الخلفاء الأمويون قد ابتكروا نظاما لزيادة غلتهم من الجبايات اسمه «التضمين»، ويبدو أنه النظام الذى تطور فى ما بعد وعرفته مصر فى عصر محمد على بـ«نظام الالتزام»، وكان «التضمين هو نقل جباية الخراج إلى أشخاص موسرين، يدفعون لبيت المال الجباية مقدمًا، ثم يتولون همّ لمها مضاعفة من المزارعين، ناهيك عن فرض الأمويين ضرائب جديدة، وهى المغارم، وترتب على هذا الجنون الضرائبى أن هجر الفلاحون والمزارعون الأرض ونزحوا إلى المدن لامتهان الأعمال الحرة، وكادت الأرض الزراعية تبور حتى تفتق ذهن الحجاج الثقفى عن حل، وهو جلب أعداد كبيرة من زنج شرق إفريقيا، وجلب مثلها من المعدمين الهنود المعروفين باسم الزُّط، وسخروهم لفلاحة الأرض وإصلاح المساحات البور جنوبى العراق.


وانتفض الزنج مع انتشار فكر الخوارج الثورى وانضم إليهم الزُّط وبعض الفرس، ورفعوا رايات الإصلاح والمساواة تحت زعامة «شيرزنجى» أى أسد الزنج، الذى لقب نفسه بـ«أمير المؤمنين»، ما أثار الخشية فى قلب الخليفة عبد الملك بن مروان، وشعر أن الزنج يهددون عرشه ويطمعون فيه، فكلف الحجاج بن يوسف الثقفى بأن يخرج لهم جيشًا قاده حفص بن زياد العتكى، ولكن الجيش هزم شر هزيمة، فتكفل الحجاج بالأمر حتى قضى على الثورة، خصوصًا بعد مقتل زعيمها خلال المعارك.


وظل الزنج مستكنين مستضعفين حتى قامت ثورتهم الثانية فى العصر العباسى، ودامت ١٥ عامًا فى زمنى الخليفة المهتدى والخليفة المعتمد، وكادت تسقط الخلافة العباسية قبل أن تلقى نفس المصير البائس.


أما ابن حمدون، فقد ظهر فى العصر العباسى الثانى، وقاد مجموعة من الصعاليك يقطعون الطرق ويغيرون على بيوت الأثرياء ومزارعهم الضخمة، وكان يقسم الغنائم بالتساوى بين أصحابه والفقراء، وقد وصفه مؤرخ فى عصره بأن فيه «شهامة الفرسان».


وعلى غرار ابن حمدون، ظهر عمران بن شاهين فى الريف، وتأسست تنظيمات العيارين والشطار فى المدن، وارتبطت بأصحاب الحرَف.


ولم تكن ثورات الزنج حالة فريدة فى التاريخ الإسلامى، فقد تعددت الثورات تحت مسميات مختلفة ولأسباب تكاد تكون واحدة، والمصير أيضًا؛ مثل:


- ثورة الخشبية فى العراق. والخشبية نسبة إلى النجارة وصناعة الأخشاب، وكانت أيضا خلال خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل إنها كانت حركة شيعية، وإن كان الدكتور محمود إسماعيل يصفها بأنها ثورة اجتماعية فى التحليل الأخير؛ لأنها تبنت طموحات العوام والمهمشين بغض النظر عن المذهب.


- ثورة الحدادين فى الأندلس، وهى ثورة حرفية فى قرطبة ضد الحكم بن هشام، وكان طاغية جبارًا يعيش حياة الترف والدعة والإسراف فى الملذات حتى لقبه العامة بـ«المخمور»، وكان جشعا فى الحصول على المال بالمغالاة فى الضرائب والجبايات، ويقال إن التوتر كان تحت الجلد حتى نشب خلاف بين عساكر الأمير وأحد الحدادين، فقتله العسكر، فثار الحدادون مع ذيوع الخبر، وانضم إليهم أهل الحرف الأخرى وقصدوا قصر الإمارة.


- ثورة القرامطة فى العراق عام ٢٧٨ هجرية، لا تختلف عن ثورة الزنج سوى فى نجاحهم فى تأسيس دول لهم سواء فى  جنوبى العراق ثم البحرين، وترددت فيها كلمات من عينة «بطالة، حوائج، مجاعات»، وعمومًا لفظ «قرمط» المنسوب له الثورة، معناه الفلاح، وقد أهال مؤرخو ذلك الزمان التراب على القرامطة، ونعتوهم بالدونية والخبث وإسقاط التكاليف الشرعية والإباحية الجنسية.


- ثورة عمر بن حفطون فى الأندلس، وهى ثورة فلاحين كما القرامطة تماما، وشن عمر خلالها حرب عصابات على المزارع والضياع ينهب ما فيها ثم يتحصن فى قلعة «ببشتر»، فاعتبره الفقهاء قاطع طريق ووصفوا قلعته بأنها وكر الفتنة.


- ثورة حميم المفترى بالمغرب الأقصى فى زمن الدولة الفاطمية، واستهدفت الاستقلال بالإقليم لقبيلة غمارة، وهم من الخوارج.


وعلى غرار تلك الثورات، انتشرت حركات فى أرجاء دول الخلافة الإسلامية، وكلها عوملت بوحشية وقسوة مفرطة وانحسرت، لكن فكرة الثورة لم تنحسر قط.


ويسأل الدكتور محمود عباس فى كتابه «المهمشون فى التاريخ الإسلامى»: هل يمكن أن نستفيد منهم فى تحريك عجلة التاريخ البائس قدُمًا؟


طبعًا ممكن، لكن بثورة ثقافية تصحح المفاهيم وتتخلص من النفايات وتلتزم التجديد بالتفكير العلمى المنظم.


وظل الزنج مستكنين مستضعفين حتى قامت ثورتهم الثانية فى العصر العباسى، ودامت ١٥ عامًا فى زمنى الخليفة المهتدى والخليفة المعتمد، وكادت تسقط الخلافة العباسية، قبل أن تلقى نفس المصير البائس.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات