.

حقيقة دولة الصحابة العادلة

Foto

لماذا هرب عبيد الله بن عمر بن الخطاب من المدينة إلى الشام؟ لماذا عفا المسلمون عن عبيد الله بعد قتله الهرمزان؟ كيف نجد أكثر من رواية للحدث الواحد بوقائع مختلفة وأشخاص مختلفين؟


أصبح من المعتاد للمطالع للتاريخ الإسلامى أن يجد أكثر من رواية للحدث الواحد، وكل رواية تصف أحداثا مختلفة وأشخاصًا مختلفين بل وقائع متناقضة ومتضادة، مما يجل المطالع فى شك دائم، وليس صحيحا ما يزعم بعض ملفقى التاريخ أن تعدد الروايات يكمل الصورة وأن تعدد الرواية يكشف جوانب خفية فى الرواية.

 

ولعل فى حكاية مقتل الصحابى الجليل عمر بن الخطاب وما بها ما يوضح هذا، ففى البداية والنهاية يذكرون أن مقتل عمر كان فى العام الثالث والعشرين من الهجرة لثلاث أو أربع ليال بقين من ذى الحجة، وأنه طعن يوم الأربعاء فى صلاة الفجر، وأنه بقى إلى يوم السبت ومات فى صباح يوم الأحد الموافق غرة محرم من العام أربعة وعشرين، وأنه أوصى أن يكون الأمر من بعده فى ستة نفر مات الرسول الكريم وهو راض عنهم وهم عثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وأن يصلى بالناس صهيب الرومى وأن يتم حبس الستة فى بيت ليتشاوروا لمدة ثلاثة أيام، وأن يتم حراسة هذا البيت بخمسين رجلا، وجعل عليهم أبا طلحة الأنصارى، والمقداد بن الأسود الكندى.

 

وبالفعل تم الاجتماع وتم حبس الصحابة الستة وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا من وراء الباب، فحصبهما سعد بن أبى وقاص وطردهما، وقال: جئتما لتقولا حضرنا أمر الشورى؟ وفى نهاية الأيام الثلاثة اختصرت الأسماء المرشحة لتولى المنصب بعد عمر بن الخطاب إلى ثلاثة، ففوض الزبير الأمر إلى علِى وفوض سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان، رضى الله عنهم أجمعين، فقال عبد الرحمن إنه يريد أن يفوض أحدهما ولكنه فى حيرة من أمره، ولكى يخرج من هذه الحيرة قال لهما عبد الرحمن أيكما يقيل نفسه للآخر، أى يتنازل للثانى، وأنا أبايعه؟ فسكتا.

 

هنا تبدأ الروايات بالارتباك وإرباكنا؛ يخبرنا البخارى وابن كثير أن عبد الرحمن بن عوف لم يكتف بهذا بل مر على بيوت أهل المدينة بيتا بيتا حتى إنه وصل للنساء فى خدورهن، واكتشف أن الجميع يرى عثمان أقرب إلى الولاية ولكنه تحير فجمع الصحابة بعد ثلاثة أيام ليخبرهم باختياره ولا ندرى هل هى ثلاثة أيام إضافية أم هى نفس الثلاثة أيام؟

 

فالأخبار تزعم أن عثمان بويع يوم الإثنين وهو ما لا يستقيم، فقد دفن عمر يوم الأحد والصحابة تم حبسهم على الأقل ثلاثة أيام من بعد يوم الأحد أى «الإثنين والثلاثاء والأربعاء» وفق هذا الترتيب يكون الناس قد بايعوا يوم الأربعاء دون الدخول فى القصة الفرعية التى لا فائدة منها إلا إثبات أن عثمان كان اختيارا شعبيا وهذا غير صحيح، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قد نادى فى الناس كافة أن الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس، ثم تكلم فقال: أيها الناس، إنى سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين، إما علِى وإما عثمان، فقم إلىَّ يا علِى، فقام إليه فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعى على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبى بكر وعمر؟ قال: اللهم لا! ولكن على جهدى من ذلك وطاقتى، قال: فأرسل يده، وقال: قم إلىَّ يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعى على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبى بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم! قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده فى يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إنى قد خلعت ما فى رقبتى من ذلك فى رقبة عثمان، فبايع الناس عثمان بن عفان رضى الله عنه.

 

لكن على الجانب الآخر نجد رواية قتل عبيد الله بن عمر للهرمزان، التى تجعل تصور الحدث مختلفا تماما، فالرواية تقول إن عبد الرحمن بن أبى بكر أخبر عبيد الله أن ربما هناك مؤامرة على قتل عمر، اشترك فيها الهرمزان مع بعض العرب ونفذها أبو لؤلؤة، فقد قال له: انتهيت إلى الهرمزان وجفينة وأبى لؤلؤة وهم بحى فبغتهم فثاروا وسقط من بينهم خنجر له رأسان نصابه فى وسطه، فقال عبد الرحمن: فانظر بما قتل به عمر، فنظروا فوجدوه خنجرا على النعت الذى نعت عبد الرحمن.

 

قال: فخرج عبيد الله بن عمر مشتملا على السيف حتى أتى الهرمزان فقال: اصحبنى تنظر إلى فرس، وكان الهرمزان بصيرا بالخيل، فخرج يمشى بين يديه، فعلاه عبيد الله بالسيف، فلما وجد حر السيف قال: لا إله إلا الله فقتله ثم أتى جفينة، وكان نصرانيا، فدعاه فلما أشرف له علاه بالسيف فصلب بين عينيه، ثم أتى ابنة أبى لؤلؤة وهى مسلمة فقتلها، ثم أقبل بالسيف صلتا فى يده وهو يقول: والله لا أترك فى المدينة شيئا إلا قتلته وغيرهم، كأنه يعرض بناس من المهاجرين، فجعلوا يقولون له: ألق السيف ويأبى ويهابونه أن يقربوا منه، حتى أتاه عمرو بن العاص فقال: أعطنى السيف يا ابن أخى، فأعطاه إياه. ثم ثار إليه عثمان فأخذ برأسه فتناصبا حتى حجز الناس بينهما، ثم ثار إليه سعد بن أبى وقاص فتناصبا حتى حجز الناس بينهما.

 

هنا لدينا إشكالية فى هذه الرواية التى وردت فى مصنف عبد الرزاق من رواية الزهرى عن سعيد بن المسيب، فورود شخصيات من المفترض أنها محبوسة فى بيت ما ويحرسهم خمسون مسلحا مثل عثمان بن عفان وسعد بن أبى وقاص، يعنى أن القتل تم بعد خروجهم أى بعد البيعة لعثمان، وخصوصا أنه استدرج الهرمزان بعد زعمه أن هناك صفقة بيع خيول، ولا يعقل أن يكون الناس تبكى عمر والأمة تنتظر من سيخلف عمر والأمر على أشده وعبيد الله بن عمر يعقد صفقة خيل! قام عبيد الله بقتل الهرمزان بعد بيعة الناس لعثمان أى وعثمان ولى أمر المسلمين هو أقرب للمنطق لكن عثمان لم يشأ أن يفتتح أيامه بإقامة الحد من عبيد الله بن عمر بن الخطاب خشية غضب الناس، والله كان أحق أن يغضب له عثمان.

 

ثم أين العدل الذى يتغنى به المسلمون الأوائل؟ أليس من العدل إقامة الحد على الشريف بن الشريف الصحابى بن الصحابى عبيد الله بن عمر بعد ثبات قتله لأبرياء؟ ألم يكن عبيد الله قاتلا مع سبق الإصرار والترصد؟ ألم يقتل مسلمين ونصارى مصانة دماؤهم؟ ولماذا تأخر عبد الرحمن بن أبى بكر فى إبلاغ ولاة الأمر بشكوكه؟

 

وإذا كان ما شك فيه عبد الرحمن بن أبى بكر صحيحا فلماذا لم ينتظر إلى أن يتولى علِى أو عثمان ويبثهم شكوكه؟! لماذا هيج عبيد الله للثأر، وماذا تعنى تلميحات عبيد الله بأن هناك مهاجرين متورطين فى دم عمر، خصوصا أن هناك رواية تزعم أن عمر بن الخطاب بعد أن طُعن وحمله الناس فقال لعبد الله بن عباس: اخرج فناد فى الناس، أعن ملأ منكم هذا؟ فخرج ابن عباس فقال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين يقول: أعن ملأ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله والله ما علمنا ولا أطلعناه، أى أن عمر نفسه كان يشك أن هناك من يتآمر عليه.

 

على كل الأحوال سيظل عفو عثمان عن عبيد الله أمرا غير صحيح، وغير موافق للشرع، أدرك هذا على بن أبى طالب وكان يصرح بأن العفو عنه خطأ وأنه لابد من القصاص من عبيد الله، انتصارا لشرع الله وانتصارا للعدل، لهذا عندما ولى الناس علِى بن أبى طالب الحكم خاف عبيد الله وهرب من المدينة ولجأ إلى معاوية والتحق بصفوف المقاتلين ضد علِى وظل يحارب علِى إلى أن قُتل فى معركة صفين.

 

صديقى القارئ، إذا كان المقال قد أزعجك فاعلم أن المدونين الأوائل هم السبب وليس كاتب المقال، وإذا اكتشفت أن فكرة العدل المطلق لدولة الصحابة قد اهتزت كثيرا لديك فليس بسببى بل بسبب تاريخنا المربك والمرتبك.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات