كيف وصل هؤلاء المرتشون إلى مقاعدهم؟

طارق أبو السعد



كيف وصل هؤلاء المرتشون إلى مقاعدهم؟



قضية فساد جديدة تقوم هيئة الرقابة الإدارية بضبطها، أبطالها هذه المرة ليسوا مجرد موظفين سولت لهم أنفسهم سرقة المال العام أو استغلال مناصبهم. المضبوطون هذه المرة شخصيات مرموقة اجتماعيا وفى وضع اجتماعى لا يسمح لهم بمثل هذه الجرائم، وفى مناصب قيادية، أى أنهم حظوا بثقة كبيرة من كبار المسؤولين، فالمتهمون هم رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات الغذائية اللواء علاء الدين فهمى، ومدير مكتبه ومستشار وزير التموين للإعلام، وكذلك المتحدث الرسمى للوزارة، ومستشار الوزير للاتصال السياسى بمجلس النواب، ولعل أهم شخصية فيهم هو اللواء علاء الدين فهمى، فهو ليس مجرد مسؤول كبير، فقد كان مدير الكلية الفنية العسكرية قبل توليه منصب رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة، أى أنه رجل عسكرى يعلم شرف العسكرية ويعلم حرمة المال العام، ويعلم أن فساده لن يصيبه هو فقط بل سيصيب شرفه العسكرى، وبسببه سيتم اتهام كل العسكريين الذين يحتلون مناصب مدنية فى الحياة العامة، لسنا مطالبين بالتفتيش عن دوافع المتهمين بل يهمنا رصد الظاهرة للتعرف على أسبابها وأشكالها ووضع تصور لمكافحتها ومقاومتها لتجنيب المجتمع من سلبياتها.

أول دلالة تواجهنا فى مثل هذه القضية هى مناصب المتهمين، نحن لا نتحدث عن موظف فى المرور حصل على رشوة لتخليص شهادة بيانات لمواطن، أو تسهيل بعض الإجراءات، نحن أمام شخصيات مهمة جدا لها وجاهتها ولها دور كبير فى الأمن الغذائى فى مصر، بدءا من وضع الخطط لتلبية رغبات المواطنين أو لمواجهة مشكلات طارئة عند المواطنين، مرورا بتنفيذ هذه الخطط انتهاء بتقييمها ورفع تقارير إلى القيادة السياسية العليا، هؤلاء «سواء صح الاتهام أو لم يصح» هم فى الأساس أهل الثقة التى بناء عليها تم توليتهم مناصبهم ومكانتهم فى وزارة التموين أو فى الشركة القابضة للصناعات الغذائية. هنا يتجدد السؤال: كيف يثق الرئيس أو من ناب عنه فى أناس فاسدين أو على الأقل محتمل أن يكونوا فاسدين أو أنهم مارسوا عمليات مشبوهة لدرجة أن الرقابة الإدارية تلقى القبض عليهم وهم متلبسون؟
الدلالة الثانية هى تفاهة المبلغ المتهم فيه هؤلاء الوجهاء، هل من الممكن أن تتدنى أخلاقيات قيادات مهمة إلى درجة أن يحصلوا على رشوة تافهة مثل هذه وهم يتحصلون على مبالغ أكبر بكثير منها رسميا؟! ألم يفكروا فى القبض عليهم وضياع مكانتهم بسبب تصرفهم النزق فى مقابل لا شىء؟
الدلالة الثالثة هى كثرة قضايا الفساد التى اتهم فيها شخصيات كبيرة ونافذة وملتصقة بأهل الحكم تدل على أن هناك خللا فى طريقة اختيار المسؤولين؟ إن محاربة الفساد مطلوبة وتتبع الفاسدين واجب، لكن سد الباب الذى يتسلل منه هؤلاء الفاسدون أهم من محاربتهم ومكافحتهم، فحسب تقرير هيئة الرقابة الإدارية عن حجم القضايا التى تم التحقيق فيها فى الفترة من 2014 إلى 2018 وصلت تقريبا إلى نصف مليون قضية، عدد القضايا عام 2014 «150136» قضية مقابل «127106» قضايا وردت خلال العام السابق 2013، بزيادة قدرها «20470» قضية. أما عدد القضايا عام 2015 فقد ورد للنيابة الإدارية «166633» قضية، بزيادة قدرها «23757» قضية عن العام الذى يسبقها. أما عدد القضايا عام 2016 فقد ورد للنيابة الإدارية عدد «145430»، وكان يتبقى من العام السابق قيد التحقيق «60296» قضية، وبذلك تكون جملة القضايا المتداولة بالتحقيق خلال عام 2016 عدد «205726» قضية.
الدلالة الرابعة هى هذه الأرقام المذهلة والمرعبة فى نفس الوقت، فهذه الإحصاءات تدل على حجم المعركة التى يجب أن نواجهها والتى لا تقل فى شراستها عن حربنا ضد الإرهاب، وهى حربنا ضد الفساد، الحرب ضد الفساد لا يجب أن تكون إعلامية أو شفوية، أو كما يقولون فى الأمثال الشعبية «طق حنك» بل يجب أن نستعد لهذه المعركة عبر وضع استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد تنطوى على رؤية وإرادة فعلية لمكافحة الفساد، سواء ما كان منها يتعلق بإصدار القوانين واللوائح التى من شأنها مكافحة الفساد، أو ما كان منها يتعلق بتمكين الجهات الرقابية والقضائية القائمة على إنفاذ الاستراتيجية مكافحة الفساد، لكن قبل هذا وذاك يجب أن تتوفر الإرادة الحقيقية من قِبل القيادة السياسية لمكافحة الفساد، فهذه الإرادة هى المحرك للمحورين الآخرين.
الدلالة الخامسة هى تورط القيادات الكبرى فى قضايا الفساد بنفس النسبة التى يتورط فيها باقى الموظفين الفاسدين، هنا يصبح على القيادة السياسية تبنى طريقة مختلفة لاختيار موظفيها، ففى حالة الموظف الفقير الفاسد قد يتفهم فساده على الظلم المجتمعى أو على الغلاء أو على أى سبب، ولكن الوضع مختلف فى حالة الموظف الكبير الفاسد والذى ينسحب فساده إلى أبعد منه إلى الجهة التى اختارته ليتولى المنصب، فقضية الوزير المرتشى وزير الزراعة السابق صلاح هلال الذى تلقى رشوة من رجل أعمال لتسهيل استيلائه على 2500 فدان من أراضى الدولة تساوى قضية رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للتنمية الزراعية والريفية الذى ضبط فى أثناء تلقيه رشوة، تساوى قضية مستشار وزير الصحة الذى ضبط أيضا فى أثناء تلقيه رشوة، تساوى قضايا الفساد فى إسكان المنوفية، وتساوى قضية الرشوة التى اتهم فيها نائب محافظ، وتساوى قضايا فساد صوامع القمح المتورط فيها كبار الموظفين فى الدولة، هذه قضايا فساد تخص رجال الدولة أما قضايا الفساد من صغار الموظفين مثل قضية ضبط مدير مشتريات بمجلس الدولة وبحوزته 150 مليون جنيه رشوة وسيارات وعقارات فهى من نوع مختلف، كما تختلف عن قضية ضبط أكبر شبكة دولية للاتجار بالأعضاء البشرية المتهم فيها أكثر من أربعين شخصا هم أعضاء شبكة الاتجار بالبشر بينهم 12 طبيبا وآخرون منهم أساتذة جامعيون ومراكز طبية شهيرة ووسائط وسماسرة، وإن كان الفساد واحدا إلا أن مسؤولية كل فئة تقع على عاتق الجهة التى يتبعها الفاسد، ومع كثرة الفاسدين الكبار يصبح من حق المجتمع أن يتساءل عن معايير اختيار هؤلاء الفاسدين لتلك المناصب الحساسة، هل يكفى فقط ولاؤهم للرئيس أو انتماؤهم لثورة ثلاثين يونيو أو معاداتهم للإخوان؟ لماذا ليس لدينا إلى الآن إحصاء دقيق بقضايا الفساد ولا الأحكام التى صدرت فيها ولا مكان تمركز الفاسدين؟ هل هم فقط رجال الدولة الكبار أم معاونوهم؟ وما الوزارات التى تتركز فيها قضايا استغلال النفوذ والتربح من المنصب؟ كل هذه المعلومات وتحليلاتها تساعدنا فى معركتنا مع الفساد، أما إعلان الحرب على الفساد إعلاميا دون وجود مراكز بحثية معاونة فهى ضرب من العبث وطريقة بلدى جدا لم يعد أحد يتبعها، علينا محاربة الفساد بالجملة وليس بالقطعة، علينا تجفيف مستنقع الفساد فلا يصح قتل بعض البعوض رغم أن النافذة تطل على المستنقع.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.