الجلسات العرفية التى جعلوها بديلًا عن القضاء

محمد جمال الدين



الجلسات العرفية التى جعلوها بديلًا عن القضاء



صباح يوم الجمعة الماضى خرجت علينا الصحف المصرية بخبر مفاده نجاح جهود مديريات أمن الإسماعيلية والمنيا والأقصر فى إتمام إجراءات الصلح فى النزاعات القائمة بين 6 عائلات، وأنهت حالة الاحتقان بين العائلات الست بالمحافظات الثلاث، وتم وقف نزيف الدم بينها بسبب خلافات الثأر، حيث تمكن مديرو أمن هذه المحافظات فى التنسيق مع كبار العائلات وعقد لجان للصلح فى ظل وجود أمنى مكثف بدوائر مراكز شرطة (أبو صوير بالإسماعيلية، وإسنا بالأقصر، وملوى بالمنيا)، وفى حضور أعضاء لجان المصالحات وأعضاء مجلس النواب وكبار رؤوس العائلات وأفراد العائلات أطراف النزاع، وتم التوفيق والصلح بين جميع الأطراف وإقرارهم بالصلح النهائى والتعهد بعدم تعرض أى منهم للآخر، بعد أخذ الضمانات اللازمة على جميع الأطراف، لمنع تجدد الاشتباكات والخصومات بينهم..

انتهى الخبر المنشور فى الجرائد والذى من المؤكد يسعد أطراف هذه الخصومات، ويرحم الشرطة من جرائم الثأر والدم التى فى النهاية تسهم فى ارتفاع حدة النعرات القبلية، لكنه فى الوقت نفسه يهدر مبدأ مهمًّا وهو عدم احترام القانون، لأن اللجوء إلى هذه المجالس أو الاحتكام إليها لا يجوز فى ظل حديثنا الدائم عن القانون وهيبة الدولة فى حفظ السلم الاجتماعى بين مواطنيها، فمهما كان تفسيرنا «لبطء» تطبيق القانون على المواطنين، إلا أن هذا لا يبرر اللجوء إلى المجالس العرفية لمعالجة هذا البطء، خصوصًا بعد أن أصبحت تتصدر المشهد فى كثير من الأحيان، أملًا فى الخروج من أزمة هنا أو هناك. نعم، قد تنجح هذه الجلسات فى إعادة الحقوق وحل العديد من الخصومات سواء أكانت فى وجه قبلى أم بحرى، ولكنها أيضًا تفشل بدرجة كبيرة فى حل الخصومات التى تندلع بسبب أحداث وفتن طائفية، ولهذا فإن البعض من هذه الجلسات العرفية يشهد ضياعًا للحقوق بعد أن تحولت بقدرة قادر من محاكم أو جلسات عرفية إلى «مجالس زور» أو كما يحلو للبعض أن يطلق عليها «مجالس أكل الحقوق»، ولهذا تحديدًا لم يكن مستغربًا لى أو لغيرى ما سبق أن صرح به نائبان من مجلس نوابنا فى هذا الشأن، أحدهما يقول فيه محمد أبو حامد: إن وجود الجلسات العرفية فيه اعتداء على الدستور والقانون، وبوابة للظلم وإهدار لحقوق المواطنين، وغالبًا ما ينتج عنها أحكام جائرة، وأوضح أبو حامد أنه ينبغى أن يكون جميع المواطنين سواء أمام الدستور والقانون، وأن فى ظاهرة الجلسات العرفية اعتداء على العدالة وتشجيعًا على الممارسات خارج نطاق القانون، مشيرًا إلى أنه يعد مشروع قانون يجرم فيه مثل هذه الجلسات. ومن ناحية أخرى قال النائب عمر حمروش إن هذه الجلسات تعد وسيلة تساعد على استقرار المجتمع وإنهاء الخصومات الثأرية بصفة عاجلة (لا أدرى عن أى مجتمع يتحدث عضو مجلس النواب)، مشيرًا إلى أن البعض يلجأ إليها حقنًا للدماء، وخشية طول أمد القضايا فى المحاكم.
وأشار حمروش إلى أن الجلسات العرفية تكون فى إطار العرف والشرعة، لافتًا إلى أن الشريعة أجازت الدية بمختلف أنواعها فى القتل، ولفت إلى أنه ينظر إليها بأنها أكثر وسيلة فعالة لإنهاء الخصومة، ولكن لا يعنى ذلك أن من حق أى شخص التصرف فى حق الدولة.. تصريحان كلاهما «يضرب» أو يناقض الآخر، وكأن مصر ناقصة تناقضات وانقسامات، فى الوقت الذى تطل فيه الفتنة الطائفية برأسها بين الوقت والآخر، خصوصًا فى صعيد مصر، والتى بسببها أهدرت حقوق وتعرضت بعض الأسر المسيحية للتهجير القسرى من منازلهم، بل وحرم عليهم أداء الصلاة فى كنائسهم، وهو أمر قاسٍ وغير إنسانى، لأن فيه اعتداء واضحًا وصريحًا على حق إنسان مصرى فى معتقده الدينى وفى اختيار مكان شعائره الدينية بعد هذه الجلسات، التى تضم فى بعضها محكمين يستغلونها فى التقرب من صاحب المال أو السلطة للحكم بغير كلمة الحق، رغم ما فى هذا من إهدار حقيقى لمبدأ المساواة بين أفراد المجتمع الواحد للطرف الأضعف فى الخصومة، وللأسف يتم هذا تحت علم ورعاية الأمن المنوط به تنفيذ القانون بدلًا من حمايته للضحايا الذين تنتهك حقوقهم، لدرجة وصل معها الأمر إلى إقامة هذه الجلسات بمقرات أقسام الشرطة ومديريات الأمن، مما يزيد من حالة الاحتقان الطائفى، التى سمحت بوجود تيار متشدد أعطى لنفسه الحق فى تعريفنا بما هو حلال وما هو حرام وتدخل فى أمور ليست من اختصاصه أو من شأنه أساسًا، وللحقيقة فإن عقد هذه الجلسات يتعارض بشكل واضح مع ما نصت عليه المواثيق الدولية الموقعة عليها مصر، والدستور المصرى أيضًا، بحق أى مواطن فى محاكمة عادلة، وبمرور الوقت تحولت هذه الجلسات إلى ما يشبه النظام القضائى الذى ينافس نظام العدالة الرسمى، وأصبح الصلح العرفى بوابة لهروب البعض من تنفيذ القانون، وذلك لما تتضمنه هذه الجلسات من فرض الجانب صاحب الحضور القبلى والعشائرى القوى لشروطه، وهى الشروط التى وصلت فى بعض الأحيان إلى النص صراحة على عقوبات لمَن يستخدم حقه الدستورى والقانونى فى اللجوء إلى القضاء لجبر الضرر، لذلك لم يعد خافيًا على كل من بيده الأمر فى مصر أن هذه الجلسات ما هى إلا وسيلة يتم من خلالها تأجيج الفتن والصراعات فى المجتمع، لذلك نحذر من كارثة ستدفع مصر ثمنها غاليًا، ما دام وجد بيننا مَن سمح بوجودها أصلًا فى حياتنا، مما أعادنا إلى الأخذ بنظام حكم القبيلة مرة أخرى، بعيدًا عن القانون الذى غلبنا عليه نظام العرف والتقاليد، على الرغم من اعترافنا الكامل بأنها قد تصلح فى قضايا مثل خيانة الأمانة والضرب والإصابة الخطأ وتكون ملزمة للمحكمة، ولكنها لا تصلح فى بعض القضايا مثل القتل العمدى والاغتصاب وهتك العرض، هذا بخلاف أن محكمة الجنايات لا تلتزم بأية جلسات عرفية، وليست لها قيمة أمامها، لذلك يظل السؤال مطروحًا: هل الجلسات العرفية يمكن أن تصبح بديلًا عن القضاء؟



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.