الطاحونة

مصطفى شحاتة



الطاحونة



فى المسافة القليلة الممتدة بين الكوبرى وبداية طريق الكيلومتر، تقع على أقصى يسار الذاهب إلى بداية الطريق طاحونة القرية، الطاحونة الأم، تعود إلى قرابة 100 عام الآن، بناء متسع جدًّا مطلى باللون الأصفر منذ زمن بعيد، تكاد ترى هذا الصفار الآن رغم مرور كل هذه السنوات على آخر مرة تم تجديد الطلاء فيها من قِبَل العائلة التى تملكها.

تشغل الماكينات الجزء الأكبر من بناء الطاحونة، بها غرفة مخصصة للوقود الذى يستعمل فى تشغيلها، كمياته كبيرة، تأتى سيارة نقل محملة بجراكن السولار، ويقوم 4 أشخاص على الأقل بتحميله إلى الغرفة التى داخل الطاحونة إذ بنيت فقط من دور واحد يعلوه على الجوانب سور يمتد ارتفاعه إلى نصف متر، وأعلاها لا يوجد سوى بوق يخرج منه الدخان، أعلى غرفة السولار تحديدًا، أو غرفة التشغيل، وهى بذلك تختلف عن طواحين هذه الأيام التى تعمل بالكهرباء وتحتاج إلى مساحة قليلة لا تمثل حتى ربع مساحة هذه الطاحونة التاريخية، أمام مبناها شجر السَّنط الطويل والضخم، والذى تمتد أفرعه فوق الطاحونة وأمامها صانعة ظلًّا كبيرًا يليق بأهمية الطاحونة بالنسبة إلى أهالى القرية والقرى المجاورة.
للطاحونة بابان، واحد فى خلفيتها لغرفة السولار، والثانى بابها الرئيسى، باب ضخم جدًّا يمتد من الأرض إلى نهاية الدور الوحيد للمبنى، معلق فيه دائمًا قفل كبير، ستفكر حتمًا فى كيفية غلق الباب، فهو من الحديد المطلى باللون الأخضر، وفى القرية يقولون إن الحديد القديم أثقل كثيرًا من حديد هذه الأيام، ولأكثر من مرة حاولت حين دخلت إلى الطاحونة تحريك هذا الباب ولو قليلًا، ولكن كنت أفشل، وكان لدىَّ اعتقاد دائم أن الأمر يحتاج إلى رجلَين على الأقل، لتحريك الضلفة الواحدة فى نهاية كل يوم عمل، وبالفعل شاهدت فى ما بعد العامل يستعين بمَن يجده أمامه من آخر الخارجين من الطاحونة للمساعدة على غلق الباب، ولم ينغلق الباب يومًا بأقل من 3 رجال أشداء!
تعمل الطاحونة بكميات السولار التى حملتها السيارة النقل ثلاثة أيام فى الأسبوع فقط، قيل إن قدرتها على العمل لا يمكن أن تستمر أكثر من ذلك، كما أنها تحتاج إلى عامل قوى يمكنه مواصلة متابعة العمل فيها لمدة 20 ساعة على الأقل فى اليوم، وأيام عمل الطاحونة معروفة للجميع فى قريتنا والقرى المجاورة، وحتى تلك البعيدة عنها، وبوقها الذى يعتلى غرفة السولار تخرج منه أصوات متقطعة بشكل مستمر، تُشعر البعيد عنها أن قنبلة انفجرت لتوّها، لكن أهل القرية يعرفون أنها الطاحونة.
أمام الطاحونة مساحة كبيرة تستخدم لربط الأحصنة والحمير وركن السيارات، حيث تأتى الغلال من قرى مجاورة وبعيدة لتأخذ دورها فى الطحن بعد أن يقوم عامل الطاحونة أو مديرها بوزن الأجولة وترتيبها، خصوصًا أن بعض القادمين إلى الطاحونة يأتون قبل عملها بيوم كامل، ويتركون الغلال ويعودون فى اليوم التالى حين تعمل الطاحونة، نفس هذه المساحة والظل الموجود فيها يستخدمان يوم الجمعة كجزء من سوق القرية، وفى الأيام العادية يمكن أن يستظل بها كل مار بالطريق، أو مَن يريد أن يريح سيارته لفترة يذهب فيها إلى مقهى مجاور، وفى العاشرة من صباح كل يوم، هى ملاذ طلاب المدرسة التى تجاور الطاحونة، حيث يقضون بها وقت الفسحة، يلعبون الكرة أو يرشون بعضهم بالمياه الممتلئة بها الأزيار أسفل شجر السنط، وفى مبنى مجاور لها تؤجر الحكومة غرفتَين ضيقتَين للجمعية الزراعية، مما يجعل الموظفين يخرجون كراسيهم يجلسون بالقرب من باب الطاحونة الرئيسى طوال فترة عملهم، فى الصيف للبعد عن حرارة الغرفتَين، وفى الشتاء من أجل ضوء شمس قد يمر من بين أفرع السنط.
يقوم عامل الطاحونة بعد الميزان، وبمساعدة أصحاب الغلال، بإدخالها إلى المساحة المتسعة داخل الطاحونة نفسها والتى يفضى إليها الباب الرئيسى، والتى تقع مباشرة أمام الماكينة الرئيسية فيها، وترتب فيها أجولة الغلال، بالطريقة التى تسهل حملها إلى قمع الطاحونة الأعلى، فحين تبدأ الطاحونة فى العمل، وتحديدًا بعد أن تسخن ويبدأ الدخان فى الخروج من بوقها، يعتلى العامل قُمعها ويبدأ فى فض أجولة الغلال من أعلاها، على أن تعلق السيدة صاحبة الغلال، الجوالَ الذى فرغ للتو فى فم الطاحونة، بحيث ينزل الدقيق متدفقًا إلى الجوال، وبالطبع كلما وصل الدقيق إلى قرب حافة الجوال حركته بمساعدة نساء أخريات إلى المكان الذى يمكن للسيارة أو الحمار أن يحمله إلى البيت، وفى هذه الأثناء تسد سيدة أخرى فم الطاحونة أو تضع جوالًا جديدًا، كى يمتلئ بالدقيق.
الطاحونة، وإلى جوار عاملها الرئيسى، لا يوجد بها سوى السيدات، هن مَن يشرفن على عملية طحن الغلال ويتلقين الدقيق، ولا يكاد الداخل إلى المكان أن يميز أية سيدة تتبعه فعليًّا، فكلهن يغطى الدقيق وجوههن، الوحيد المميز هو عامل الطاحونة، لجنسه لا لشكله.
تدخل الأجولةُ غلالًا وتخرج دقيقًا سائغًا، يعمر البيوت خبزًا لأيام طويلة، فلا تأتى أسرة أو منزل إلى الطاحونة من أجل «كيلة قمح أو اثنتين»، بل على الأقل إردبين أو ثلاثة.
البقية الأسبوع القادم.



أقرأ أيضا

البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.