حدث فى الأردن.. ما دلالات ما جرى فى الأردن منذ الأسبوع الماضى؟

حسام مؤنس



حدث فى الأردن.. ما دلالات ما جرى فى الأردن منذ الأسبوع الماضى؟



جاءت الاحتجاجات والمظاهرات الأخيرة فى الأردن منذ نهاية الأسبوع الماضى رفضا لمشروع قانون ضريبة الدخل الجديدة وقرارات رفع أسعار المحروقات وتعديلات نظام الخدمة المدنية، لتقدم العديد من الإشارات والدلالات ذات المغزى فى ما يتعلق بطبيعة التفاعلات السياسية والمجتمعية مع مثل تلك الأحداث الأخيرة، التى جاء الرفض الشعبى الأردنى فيها تعبيرا عن عدم القدرة على تحمل المزيد من أعباء الغلاء والأوضاع الاقتصادية الصعبة المتواصلة منذ عدة سنوات، والتى يمثل جزءا منها التزام الحكومة الأردنية بروشتة صندوق النقد الدولى بخصوص ملفات الدعم ورفع الضرائب وغيرها، فى إطار القرض الذى حصلت عليه الأردن من الصندوق فى عام 2016.

سلسلة رفع الأسعار المتوالية على مدار السنوات القليلة الماضية والتى شملت كل السلع واستمرت خلال العام الحالى جاءت لتدفع الشعب الأردنى للخروج احتجاجا على قرار حكومى جديد بزيادة أسعار الوقود بنسبة 5.5% والكهرباء بنسبة 19%، بالتزامن مع تقديم الحكومة لمشروع قانون جديد لزيادة الضرائب، لكن هذا الخروج الشعبى للشوارع فى مختلف أنحاء محافظات الأردن لم يكن عشوائيا، بل جاء استجابة لدعوة من عدد من النقابات المهنية والعمالية للتظاهر والإضراب، وهو ما أدى لتبلور قيادة منظمة للاحتجاجات، التى جاء اتساع مداها ونطاقها فضلا عن ارتفاع سقف مطالبها لإسقاط الحكومة، لتراجع سريع بتوجيهات من الملك الأردنى عن قرار زيادة أسعار الوقود والكهرباء، فضلا عن مبادرة مجلس النواب الأردنى لمبادرة للحوار بين الحكومة ورؤساء النقابات المهنية حول ملفى الخدمة المدنية وقانون الضرائب الجديد.
ورغم أننا أمام نظام سياسى لا يختلف كثيرا فى مجمل انحيازاته وسياساته عن غيره من الأنظمة العربية، فإن المساحة المتاحة نسبيا للحياة السياسية والنقابية والمجتمعية، فتحت الباب أمام قدرة المجتمع على مواجهة القرارات والقوانين التى تمثل إضرارا مباشرا بحياته اليومية فى ظل المعاناة التى يعيشها، كما بدت هناك قيادة متبلورة لحركة الاحتجاجات الأخيرة، فضلا عن قدر من الحكمة السياسية التى دفعت الملك للتراجع سريعا عن جانب من تلك القرارات وفتح باب الحوار بوساطة البرلمان بين الحكومة والنقابات للتشاور حول باقى الملفات التى أدت لهذه الاحتجاجات الأخيرة.
ورغم بدء هذا الحوار فعليا فإن الاحتجاجات لم تتوقف ولم تنته تمسكا بحزمة المطالب التى بلورتها تلك الحركة الشعبية، كما أن قيادات النقابات لم تكتفِ بالمكسب الجزئى بالتراجع المؤقت عن زيادات أسعار الوقود والكهرباء، ورغم تمسك الحكومة بمشروع قانون زيادة الضرائب على الدخل وعدم سحبه، فإنها أيضا أكدت على استمرار الحوار حوله، بينما جاءت تصريحات رئيس مجلس النواب الأردنى عقب اجتماعه مع قيادات الحكومة والنقابات لتشير إلى أن المجلس لن يكون فى جيب الحكومة ولن يذعن لتعليمات صندوق النقد الدولى، فى الوقت الذى أعلن فيه عدد من النواب طلبهم بسحب مشروع القانون وتعهدهم برفضه فى حال الإصرار على طرحه على المجلس.
التحرك الشعبى الأردنى عكس بوضوح حجم المعاناة الاقتصادية والاجتماعية نتيجة السياسات القائمة والتى زاد من وطأتها الالتزام بروشتة صندوق النقد، وأدى فى الوقت ذاته لتحمل كل طرف لمسؤولياته، وأداء كل طرف لدوره، وفتح الباب لآلية الحوار للبحث عن حلول محل توافق ترضى جميع الأطراف.
دلالات ما جرى فى الأردن كبيرة ومهمة للغاية، لمصر ولغيرها من الدول العربية التى لا تختلف ظروف مواطنيها الاقتصادية عن الأردن، وأوجه التشابه أيضا كبيرة خصوصا فى ظل موجات متتالية من قرارات زيادة الأسعار التى تحمل الطبقات الوسطى والفقيرة الأعباء الأكبر، والتزام أنظمة وحكومات تلك الدول بروشتة الصندوق التى يسمونها إصلاحا اقتصاديا، لكن الأهم هنا ليس فقط امتلاك تلك الطبقات فى الأردن القدرة على التحرك والتعبير السلمى عن غضبها واحتجاجها ورفضها، بل أيضا أنها وجدت قيادة مجتمعية معبرة عن مطالبها، من خلال النقابات المهنية والعمالية، وأنها أيضا وجدت أطرافا تستمع لها وتتجاوب معها لا أن تكتفى بقمعها أو اتهامها بالتآمر لهدم الدولة وعدم الوعى للمخططات التى تحاك لها، وصحيح أن بعض تصريحات المسؤولين الرسميين فى الأردن بما فى ذلك الملك نفسه تحدثت من قبل وعلى خلفية الأحداث الأخيرة أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة فى الأردن جانب منها نتيجة مواقفها السياسية فى بعض الملفات مثل القضية الفلسطينية، ونتيجة للظروف الإقليمية بشكل عام، إلا أن ذلك لم يمتد لحملات ملاحقة قادة الاحتجاجات والإضرابات أو تخوينهم أو ما إلى ذلك مما قد نشهده فى دول أخرى.
الدروس الرئيسية التى يمكن استخلاصها مما جرى ولا يزال تفاعلاته مستمرة فى الأردن، خصوصا مع الدعوة لإضراب جديد يوم الأربعاء المقبل، هى أنه لقدرة الشعب على تحمل المعاناة حدود مهما بدا سكونه وصمته، وأن هناك لحظة لا يمكن فيها أن يستمر فى تحمل كل الأعباء وحده دون أى أفق لتحسن أوضاعه المعيشية والاقتصادية.. وأن وجود تنظيمات سياسية أو نقابية وسيطة هى جزء من الحل لا مشكلة فى ذاتها، وأنه من دونها قد لا تجد السلطة التى تحكم طرفا تتحاور وتتفاوض معه لتهدئة الشارع.. وأن أدوار سلطات مثل مجلس النواب وغيرها ليست أن تكون تابعا مؤيدا للحكومة وقراراتها وإجراءاتها على طول الخط بل أن تتصدى لدورها فى تقريب وجهات النظر أحيانا أو الانحياز بوضوح لصالح الطبقات المضارة من القرارات الحكومية فى أحيان أخرى، والمعنى الأهم هنا هو استقلالها وقدرتها على بلورة موقف مستقل عن الحكومة والسلطة التنفيذية.
ورغم أن الأمور فى الأردن لم تحسم ولم تهدأ بعد، ولا تزال خاضعة لمزيد من التفاعلات خلال الأيام القليلة المقبلة بعد قرار الملك عبد الله بقطع زيارته الخارجية والعودة للبلاد ودخوله على خط الأزمة بشكل مباشر بعقده لاجتماعات رسمية وتوجيهاته بتبنى آلية الحوار، فإن السيناريوهات تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات خلال الأيام المقبلة، وفى ظل الدعوة لإضراب جديد يوم الأربعاء، سواء باستمرار تصاعد الحركة الاحتجاجية الشعبية والتمسك بمطلب إقالة الحكومة خصوصا مع تمسك رئيس الوزراء بتقديم قانون الضرائب لمجلس النواب، أو التوصل لصيغ وسط تسمح باستمرار الحكومة رغم الغضب الشعبى ضدها مع التوافق حول تعديلات نظام الخدمة المدنية وسحب أو رفض مجلس النواب للقانون المطروح.
لكن يبقى السؤال الرئيسى من دروس ما جرى ويجرى فى الأردن هو حول مدى استيعاب الأنظمة والحكومات العربية الأخرى، وبالذات هنا فى مصر التى يفترض أن تشهد خلال الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة فور الانتهاء من إقرار الموازنة التى يبدو أن هناك اتجاها لسرعة تمريرها خلال الأيام القليلة القادمة تمهيدا لموجة جديدة من قرارات رفع الأسعار، والتى قد يكون مرجحا أن تتسبب فى ردود فعل مختلفة عن سابقتها خلال السنوات الماضية، ولعل ما جرى مؤخرا مع قرار زيادة أسعار تذاكر المترو يكون مؤشرا، لكن السؤال هنا هل قد تواجه أى احتجاجات شعبية بقدر من الحكمة والتفهم، وهل قد نجد قيادات معبرة عن مطالب محددة لتفادى هذا الغضب المجتمعى، وهل هناك من قد يكون مستعدا لتبنى آلية الحوار والتفاوض بدلا من القمع واستخدام عصا الأمن؟.. أم أن مجمل ما جرى خلال السنوات الأخيرة من تفريغ للحياة السياسية والنقابية من محتواها ومن أى تأثير لهذه القوى المجتمعية كان مقصودا كى لا تأتى مثل تلك اللحظة التى تشهدها الأردن والتى قد تكون أكثر نضجا وقدرة على التعامل معها من سيناريوهات أخرى أسوأ كثيرا نتيجة تفريغ المجتمع من وسائطه السياسية والنقابية وتنظيماته الأهلية والمدنية؟



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.