ما وُضع على لسان النبى من أساطير فتنة الدجال؟

عصام الزهيري



 ما وُضع على لسان النبى من أساطير فتنة الدجال؟



فى مرحلة مبكرة من عمرى شغلنى هذا السؤال الساذج: «هل أن الاعتقاد بالدجال من عقائد الإسلام التى يتوجب على المسلم التصديق بها؟!».. ذلك أن الإلحاح على ذكر «الدجال» وما يرتبط به من أخبار مهولة لا بد أن تحمل لنفس شاب صغير الكثير من الرهبة والشعور باهتزاز الأمان النفسى، ومن جهتهم قام وضّاع الأحاديث بتحصين الهراء الوارد من أخبار الدجال بحديث على لسان النبى يقول: «من كذّب بالدجال فقد كفر!».. وخلاصة حكايتى الشخصية هو أنه كان لا بد أن تمر سنوات طويلة حتى أتمكن من تحرير نفسى من الفزع العميق الذى كبلها لأتحرر من هذا الموروث الكابوسى المظلم، وأكتشف جناية الكهنوت النقلى على الدين وأهله.


يروى «البخارى» عن «ابن عمر» أنه قال: كنا نتحدث بحجة الوداع والنبى بين أظهرنا ولا ندرى ما حجة الوداع، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب فى ذكره، وقال: ما بعث الله من نبى إلا أنذر أمته ما أنذره نوح والنبيون من بعده، وأنه يخرج فيكم فما خفى عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم، إن ربكم ليس على ما يخفى عليكم ثلاثًا، إن ربكم ليس بأعور، وإنه أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية».


ورغم التهافت الواضح فى لغة الحديث فى حال صدق نسبته لراويه فإن «ابن حجر» يلاحظ أنه ذكر خطبة الوداع جماعة من الصحابة ولم يذكر أحد منهم قصة الدجال فيها إلا «ابن عمر».. لكن «الرازى» يبدى ملاحظة نافذة خلال شرح حديث مشابه ورد فى مسلم والبخارى، عن «أنس بن مالك» عن النبى أنه ذكر الدجال فقال: «إلا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور».. وما لاحظه «الرازى» بذكاء هو: «إن هذا الخبر مشكل لأن ظاهره يقضى أن النبى أظهر الفرق بين الإله تعالى وبين الدجال بكون الدجال أعور، وكون الله ليس بأعور.. وذلك بعيد»، والمقصد أن الحديث ينال من الله تعالى «ليس كمثله شىء» بالتشبيه، وكأنه يكفى الدجال أن تكون له عينان ليكون ربنا!.


 ولا ترد فى القرآن، كتاب الوحى، آية واحدة يمكن أن تعزى ولو بالتأويل إلى التحذير من هذه الفتنة المهولة.. بل إن الآية رقم 65 من «سورة النمل» فى قوله تعالى: «قل لا يعلم من فى السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون»، صرحت بإنكار سائر هذا الهراء الأسطورى المنسوب للنبى؛ لذلك بدا أن الرواة تحايلوا على الأمر بالمنام، إذ تتكرر الرواية عن «ابن عمر» بمسند «أحمد»، وتحكى عن منام للنبى رأى فيه: «رجلا جعدا قططا أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية.. واضعًا يديه على عواتق رجلين يطوف بالبيت فقلت من هذا فقالوا هذا المسيح الدجال».. وترد فى المسند أيضًا رواية أبعد من هذه إغراقًا فى الوهم والكابوسية وإن لم تكن منامًا، ينسب فيها للنبى أنه قال: «يخرج الدجال فى خفقة من الدين وإدبار من العلم فله أربعون ليلة يسيحها فى الأرض اليوم منها كالسنة واليوم منها كالشهر واليوم منها كالجمعة ثم سائر أيامه كأيامكم هذه وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا.. مكتوب بين عينيه كافر فهجاة يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب.. معه جبال من خبز والناس فى جهد إلا من تبعه ومعه نهران أنا أعلم بهما منه.. نهر يقول الجنة ونهر يقول النار.. قال: فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام فيأتيهم فيحاصرهم.. ثم ينزل عيسى بن مريم».


وكل الروايات «الصحيحة فى عرف أهل الحديث سندًا» التى ترد فى شأن الدجال يكفى إيرادها فقط مؤونة مناقشتها لغزارة ما تمتلئ به تفاصيلها الخرافية من تضارب وتشتت وأساطير لا معقولة.. لكن من أشنع ما جاء من قصص الدجال كان «حديث الجساسة»، وهو حديث طويل يورده «مسلم» عن «فاطمة بنت قيس» تقول فيه: «فلما قضى رسول الله صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه.. ثم قال: أتدرون لما جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.. قال: والله إنى ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميمًا الدارى كان رجلًا نصرانيًّا فجاء فبايع وأسلم وحدثنى حديثًا وافق الذى كنت أحدثكم عن المسيح الدجال».


والحديث يشرح كيف التقى «تميم الدارى» بكائن خرافى يسميه «الجساسة» يلتقى بعده الدجال المزعوم وجهًا لوجه، فى أعقاب رحلة بحرية تشبه رحلات السندباد، لعب فيها الموج بالسفينة ثم رست على جزيرة عند غروب الشمس، وبعد أسئلة وأجوبة بينهم يستفسر الدجال عن ظهور النبى وما فعله قومه به، يفصح عن هويته قائلًا: «وإنى أخبركم عنى: أنا المسيح الدجال وأنى أوشك أن يؤذن لى فى الخروج فأخرج فأسير فى الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها فى أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علىّ».. ثم يختم بأن ينسب للنبى القول: «فإنه أعجبنى حديث تميم، فإنه وافق الذى كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة إلا أنه فى بحر الشام أو فى بحر اليمن لا بل من المشرق ما هو من قبل المشرق وأومأ بيده الشريفة إلى المشرق».


ولا تبارى القصة السابقة شناعة سوى ما أورده «الألبانى» فى «صحيح الجامع» من أن الدجال يخرج من خلة بين الشام والعراق، ويعيث يمينا وشمالا، ويصف من فتنته أنه يقول للأعرابى: «أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أنى ربك؟» فيقول: «نعم» فيتمثل له شيطانان فى صورة أبيه وأمه فيقولان: «يا بنى اتبعه فإنه ربك». ومن فتنته كذلك: «أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها ينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين ثم يقول: «انظروا إلى عبدى هذا فإنى أبعثه».. ومنها أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت، وأن يمر بالحى فيكذبونه فلا يبقى لهم سائمة إلا هلكت، وأن يمر بالحى فيصدقونه حتى تروح مواشيهم أسمن.. ويسأل أحدهم: «فأين العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس.. وإمامهم رجل صالح.. فبينما إمامهم قد تقدم يصلى بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم. فرجع ذلك الإمام فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: «تقدم فصل فإنها لك أقيمت».. فيصلى بهم فإذا انصرف قال «عيسى»: «افتحوا الباب» فيفتحون ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودى كلهم ذوو سيف محلى وساج.. فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح فى الماء وينطلق هاربًا.. ويقول «عيسى»: «إن لى فيك ضربة لن تسبقنى» فيدركه عند باب لد الشرقى فيقتله».


لكن المهزلة حقيقة ما ينسب للنبى، ورواه البخارى، من أنه شك فى شخص من يهود المدينة يقال له «صافى بن صياد» أنه هو الدجال وعندما زاد شك النبى به خرج بنفسه ليتأكد هل هذا الرجل فعلا هو الدجال أم لا، ومعه «عمر ابن الخطاب» الذى قال: «فتعجبت عندما رأيت النبى يتخفى خلف الأشجار وينتقل مسرعًا من شجرة إلى أخرى حتى وصل بالقرب من ابن صياد وكان مستلقيًّا على الأرض يتمتم بكلمات لا تفهم فأخذ النبى ينصت له محاولًا أن يفهم ما يقول دون فائدة، وبينما هم كذلك خرجت من البيت أم ابن صياد».


والحديث أيضا طويل.. طويل بطول ليل الرعب والخرافة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.