مصر تُصادر الفن باسم الدين والأخلاق

أحمد جمال



 مصر تُصادر الفن باسم الدين والأخلاق



يواجهنا الدكتور حسن طلب فى كتابه «مصادرة الفن باسم الدين والأخلاق والسياسة»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بحقيقة الأوضاع التى وصلت إليها مصر، وكيف أصبحت مهيأة لكل ما يُشجّع على التطرُّق، ويُزكّى روح التعصُّب، فيؤكد لنا أن مصر ارتدت إلى التخلف من جديد، وتتراجع بخطى حثيثة إلى عصور الظلام، فمنذ رفع شعار «العلم والإيمان»، ونحن أشد عداءً للعلم والعلماء، أما الإيمان فلم نعرف منه إلا قشوره الزائفة.


يتحدّث «طلب» فى كتابه عن مصادرة الفن باسم الدين، مستشهدًا بفتوى تحريم التماثيل التى صدرت عام 2013، مع سيطرة «الأصوليين» على المشهد السياسى، واصفًا الفتوى بـ«الكارثة الحضارية» التى لا تقل خطرًا وجرمًا عن تدمير حركة طالبان الأفغانية منذ بضع سنوات تمثال «بوذا»، فى مشهد بائس لم ينجح إلا فى تثبيت الصورة البشعة للأصولية الإسلامية المتطرفة فى أذهان البشر المنتمين إلى الأديان والحضارات الأخرى.


ونقل «طلب» فى إطار تفنيده للفتوى ما قاله الإمام محمد عبده، عن حرص الدول الأوروبية على تراثهم الفنى، وكيف أن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص فى الشؤون المختلفة، ومن أحوال الجماعات فى المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى «ديوان الهيئات والأحوال البشرية»، إذ يصورون الإنسان والحيوان فى حالة الفرح والرضا، وفى حالة الحزن والخوف.


وفى الفصل الثانى يتحدّث «طلب» عن مصادرة الفن باسم الأخلاق، منذ مصادرة رواية «أولاد حارتنا»، للأديب العالمى نجيب محفوظ فى مطلع الستينيات، ومنع توزيع ديوان «أبى نواس» بعد طبعه، فى مطلع الألفية الجديدة، بالإضافة إلى الأفلام والمسرحيات التى مُنعت، حتى أصبحت حرية الفكر والتعبير التى ظل الأدباء والفنانون ينعمون بها منذ فجر النهضة الحديثة، فى مهب الريح بعد أن عصفت بها أيدى السلفيين المحافظين عامة، سواء فى السلطة أو خارجها.


ويشبّه «طلب» العلاقة بين الفن والأخلاق بقضية العلاقة بين الفن والدين، فالبعض ما زال ينظر إلى أن مصدر التشريع الأخلاقى هو الله نفسه، بينما يرى البعض الآخر أن الدين ما هو إلا مجموعة من الوصايا والقواعد الأخلاقية، مؤكدًا أن فكرة الرقابة الدينية هى التى أدَّت إلى فكرة الرقابة الأخلاقية، وفكرة «الحرام» هى من سبقت فكرة «العيب».


ويستخلص المؤلف بعض الأخطار المهمة فى هذا الجانب، ومنها: أن الحضارة الغربية تعيش مرحلة مختلفة بالقياس إلينا، ما يجعل هذه القضية عندهم ليست بدرجة أهميتها عندنا، ذلك أن الغرب يعيش اليوم مرحلة ما بعد الحداثة، التى وصل فيها إلى أقصى درجة فى نقد الذات، وتعرية النفس.


ويرى مؤلف «أصل الفلسفة» ضرورة أن لا ننظر إلى الفن على أنه مجرد وسيلة لإصلاح الأخلاق، لأن الوسائل تبتكر دائمًا من أجل الغايات، بينما الفن والأدب يوجدان قبل توجيههما إلى المقاصد المطلوبة، كما ينبغى أن ننظر إلى الإنسان فى شموله وليس من خلال أنه مجرد كائن أخلاقى فحسب، فالأدب الحقيقى لا يمكن أن يفهم إلا إذا فهمنا، على نحو شامل وصحيح، معنى كون المرء إنسانًا.


فى الفصل الثالث، يُحلل «طلب» العلاقة بين الفن والسياسة والثورة، ويستخلص نتيجة مفادها أن الفن ليس مجرد مرآة تعكس الواقع الاجتماعى، وإنما فى الوقت نفسه، وقبل كل شىء عامل ثورى من عوامل تحويل هذا الواقع، وهو يقوم بهذا الدور.



أقرأ أيضا

فن

غاب القمر

في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.
البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...