الكرامات التى ضيعها النت والسلفيون

ناجى العتريس



الكرامات التى ضيعها النت والسلفيون



يوضح د. محمد أبو الفضل بدران فى كتاب «أدبيات الكرامة الصوفية» الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ماهية الكرامات ومهمتها بوصفها نصا إبداعيا سرديا مستقلا، له مكوناته البلاغية والأسلوبية والقيمية والوجدانية، ووظائفه الجمالية والتخيلية والروحية والمعرفية، ودلالاته المتنوعة عبر أشكاله الجمالية والتخيلية المتعددة من خلال بحثه وتنقيبه فى التراث الصوفى العربى.

والكتاب دراسة نقدية تسعى لوضع أسس نظرية الكرامات من منطلق افتراضى يرى أن الكرامات جنس أدبى مستقل بذاته، يتلامس مع القصة، بيد أنه يختلف عنها فى كون الكرامة حكاية مقدسة لدى الصوفيين.


الكتاب ممتع رغم أى خلاف حول فكرته ومحتواه؛ حيث يقرر المؤلف أنه لا يهدف من بحثه الدخول فى تيه السؤال عن حقيقة حدوث الكرامة من عدم حدوثها، مكتفيا بالوقوف على حقيقة وجودها فى التراث العربى، يقول بدران: «فى إطار محاولتى المتواضعة لتجميع الكرامات الشفهية، لاحظت أن هذا التراث الحى أدعى بجامعاتنا ومؤسساتنا العلمية أن تتجه إلى جمعه وتدوينه، ومن ثم إلى دراسته وتحليله بحيث لا يكتفى بتقديسه من منطلق صوفى أو نبذه من منطلق عقلانى بتحميله وزر بؤرة اللا وعى فى العقلية الغيبية لدى الإنسان المعاصر».


ويضيف أن النص الكراماتى هو نص روائى لا مُتَنَاهِيًا، يستطيع أن يواكب العصور كى يتجاوزها، وهو التدوين الشعبى للأحداث والدول، والتاريخ الهلامى لسيرة الأولياء؛ حيث يبدع الشعب فى تخليد حياة أوليائه وكتابة سير حياتهم وفق رؤيته لهم.

ويؤكد أن المؤرخين أخطؤوا كثيرا عندما أزاحوا الكرامات الصوفية جانبا، إذ أهملوا بذلك جانبا خصبا من طرق البحث فى الوجه الآخر للمجتمع أشبه بالتأريخ الشعبى للحياة كما يتصورونها ويتمنونها.


تناول المؤلف فى بداية بحثه أهم المصادر التراثية فى الكرامات، وأهم الدراسات العربية والدراسات الاستشراقية التى تناولت الكرامات؛ ثم تناول موقف المذاهب والفِرَق الإسلامية من الكرامات كالمعتزلة والفلاسفة والأشعرية والشيعة؛ وتحدث عن المنظور الفقهى للكرامات، وكذلك المنظور الصوفى.


وتناول فى فصل تالٍ نظرية الاستبدال فى الكرامة، فتكلم فيه عن الشكل الأدبى للكرامة بنوعيه البسيط والمعقد مع تحليل تطبيقى على بعض الكرامات المكتوبة والمنطوقة، كما تناول شخصيات الكرامة، وقسمها إلى المؤلف / الراوى؛ ومحقق الكرامة «المدد»؛ وشهود الكرامة. وتحدث عن وظائف الكرامة، وأثبت أنها تندرج تحت ثلاث وظائف رئيسية هى: إثبات الولاية للولى والتنفيس الإبداعى عن أفراد المجتمع والكرامة التعليمية، وتناول فى فصل آخر الزمن والرؤية والتصوير فى الكرامات، متحدثا عن الزمن وعن الرؤية فى الكرامات من حيث رؤية الله ومحادثته والهاتف، ورؤية النبى ورؤية آل البيت والأولياء، ثم تحدث عن التصوير فى الكرامات وكيف جاء تصوير الملائكة وإبليس والجن والكائنات الخرافية فى الكرامات، ثم تحدث عن تصوير المرأة فى الكرامات وقسمها إلى قسمين: المرأة الوليَّة، والمرأة كرمز للثواب.


وخصص المؤلف فصلا لنقد إبداع العالم المثالى فى الكرامات وكيف كان للشعر سطوة كبرى فى الكرامات، ثم تحدث عن دائرة الأولياء أو الحكومة الباطنية وكيف صنع المتصوفة مدينة الأولياء ثم تناول القطبية والغوثية فى الأدب الكراماتى، وفى الفصل الأخير تناول المؤلف ظاهرة توظيف الكرامة فى الأدب العربى بمعظم أشكاله.

كما تناول توظيف الرؤيا فى الأدب الروائى الكراماتى كبديل للنبوءة. مع إلقاء الضوء على نماذج من الرواية والشعر والقصة القصيرة وغيرها.

استعان الكاتب بالدراسات الأنثروبولوجية على فهم بعض الظواهر الغامضة فى الكرامات المدونة والمنطوقة.


ويؤكد بدران فى نهاية بحثه على أن الكرامات الصوفية ستظل موضوعا فى حاجة إلى تحليل ونقد وسيظل تواترها وتجدد حيواتها المستمرة تحديا للعولمة والمعاصرة على مر العصور.



أقرأ أيضا