القاهر.. أمير الانتقام الذى مات متسولا

حاتم صادق



القاهر.. أمير الانتقام الذى مات متسولا



هو الخليفة العباسى الشاب محمد بن المعتضد الذى تولى الخلافة بعد أخيه المقتدر وحمل لقب القاهر، وهو الخليفة التاسع عشر فى سلسلة خلفاء الدولة العباسية، وقد عزل من منصبه بعد عام ونصف وسبعة أيام.


حياته مسلسل من الغرابة والغموض، وقصته مأساة درامية تدعو للأسى والأسف على حال الخلافة التى كانت فى يوم من الأيام راشدة.


وصفه معاصره المؤرخ أبو بكر الصولى فقال عنه: «كان أهوج، سفاكًا للدماء، كثير التلون، قبيح السيرة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل».


ماتت أمه وهو ما زال طفلًا صغيرًا، فكفلته السيدة شغب زوجة أبيه وضرة أمه وأم أخيه الخليفة المقتدر، إلا أنه كان يتهمها فى داخله بأنها هى من قتلت أمه.


وقد أثنى ابن كثير فى «البداية والنهاية» على هذه السيدة فقال:
«شغب أم أمير المؤمنين المقتدر بالله، الملقبة بالسيدة، كان دخلها من أملاكها فى كل سنة ألف ألف دينار، فكانت تتصدق بأكثر ذلك على الحجيج فى أشربة وأزواد وأطباء يكونون معهم، وفى تسهيل الطرقات والموارد، وكانت فى غاية الحشمة والرياسة ونفوذ الكلمة أيام ولدها «المقتدر»، فلما قُتل كانت مريضة فزادها قتله مرضا إلى مرضها».


المهم ودون دخول فى تفاصيل كثيرة ومتشعبة، صار أمر الخلافة إلى محمد بن المعتضد، الذى حمل لقب «القاهر بالله المنتقم من أعداء الله لدين الله»! ونقش هذا اللقب على العملة المالية التى أصدرها، وأثبتت الأيام أن ذلك لم يكن نقش على عمله، بل سياسة متبعة فى الانتقام من المخالفين والأعداء.


وقد بدأ مسيرته فى الانتقام بتتبع أموال المقتدر والفتك بأولاده وخواصه.. ولقد أحس أولاد ونساء الخليفة المقتول «المقتدر» بنية الغدر من عمهم الخليفة الجديد، فتمكن بعضهم من الهرب، إلا أن القاهر ما لبث أن أوقع بهم وسجنهم وصادر أموالهم وعذبهم عذابا شديدا.


ثم استدار إلى السيدة شغب التى ربته وقامت له مقام أمه، فأحضرها وعذبها عذابا شديدا حتى تعترف على مكان الأموال ولم يراع فى ذلك ظروف مرضها، وحسب رواية ابن كثير فإنه علقها بثدييها، منكسة، وفى هذا الوضع المهين كان بولها يجرى على وجهها. وفى النهاية لم يجد لها شيئًا سوى ثيابها ومصاغها وحليها فى صناديقها، قيمة ذلك مئة ألف وثلاثون ألف دينار.. والسبب ببساطة أن جميع ما كان يدخلها تتصدق به.


ويواصل ابن كثير «وكان لها غير ذلك أملاك أمر ببيعها وأتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل فى بيعها، فامتنع الشهود من الشهادة حتى ينظروا إليها.. فرفع الستر بإذن الخليفة فقالوا لها: أنت شغب جارية المعتضد أم جعفر المقتدر؟ فبكت بكاء طويلا ثم قالت: نعم، فكتبوا: عجوز سمراء اللون دقيقة الجبين.


وبكى الشهود وتفكروا كيف يتقلب الزمان بأهله، وتنقل الحدثان وأن الدنيا دار بلاء لا يفى مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، من ركن إليها أحرقته بنارها».


ويختم ابن كثير روايته للمأساة: «ولم يذكر القاهر شيئا من إحسانها إليه رحمها الله وعفا عنها».


كل هذا فعله القاهر، انتقامًا من شغب المتهمة فى نظره بقتل أمه، دون أن يتأكد من صحة تلك الاتهامات.  

   
وهنا لا بد أن يثار السؤال: لماذا كل هذا العنف والحقد والرغبة فى الانتقام؟
والإجابة عن ذلك من خلال قراءة سيرة الرجل ونشأته وتكوينه النفسى والظروف التى أحاطت بتلك النشأة، وبهذا التكوين تجعلنا نستنتج:
1- أن الوراثة لها دور مهم فى ذلك.. فلقد كان المعتضد سفاكا للدماء جريئا مقداما حازما شديد الهيبة، وورث منه ابنه القاهر هذه الصفات، إلا أنه لم يرث عن أبيه عقله وسياسته ودهاءه، ولذلك تحول إلى مجرد طاغية يسفك الدماء حبا فى الانتقام ورغبة فى التسلية، مما عجّل بنهايته كحاكم وأيضًا كإنسان.


2- غياب الحد الأدنى من التربية والتهذيب الواجب توافره فى شخص يفترض أن أبيه خليفة المسلمين! بل للأسف كان هذا الأب الخليفة على ما يبدو لا يعير أبناءه الاهتمام والعناية الكافية، فقد أسرف «المعتضد» على نفسه فى تجديد ملك بنى العباس للدرجة التى جعلته أقوى خلفاء بنى العباس بعد المنصور.. كما كان مسرفا للغاية فى حياته الجنسية، حتى قالوا إن سبب موته يرجع «لإفراطه فى الجماع».. وهذه النوعية من الآباء لا تجد وقتًا لرعاية الأولاد، خصوصًا إذا كانوا كثيرين، فقد أنجب المعتضد أربعة من الأولاد الذكور، وتولى ثلاثة منهم الخلافة وهم المكتفى والمقتدر والقاهر بالإضافة إلى إحدى عشرة أنثى. وإن كانت الأمانة تجعلنا نقول إن القاهر هو الوحيد بين أبناء المعتضد الذى ورث جرأة أبيه فى سفك الدماء، إذ إننا لا نرى هذا العنف فى الخليفتين المكتفى والمقتدر ابنى المعتضد.


3- وهناك ملاحظة فى غاية الوهمية، وهى أن المعتضد كان يتوسل القوة والعنف فى تأكيد سيطرته السياسية واستعادة هيبة الدولة.. أما ابنه القاهر فقد كان يسفك الدماء تنفيسًا عن أمراضه النفسية، للدرجة التى تجعله ساديا بامتياز، فقد ذكر عنه الصولى: «أنه كان يخرج ومعه حربة محماة فلا يرجع بها حتى يقتل بها رجلا»، وهذا ما أكده المسعودى فى «مروج الذهب» حيث قال: «اتخذ حربة عظيمة يحملها فى يده إذا سعى فى داره ويطرحها بين يديه فى حال جلوسه ويباشر الضرب بتلك الحربة لمن يريد ضربه».


وعلى العموم، وأيًّا كانت الأسباب والدوافع والسمات الشخصية التى جعلت من القاهر أميرًا للانتقام، فقد استمرت مسيرة المآسى فى حياة الرجل. وجاءت نهايته بتدبير الوزير المختفى ابن مقلة الذى هرب من القاهر قبل أن يفتك به، إذ أقنع الأتراك بأن الخليفة قد أعد لهم مغارات تحت الأرض ليدفنهم، واستعان ابن مقلة بعملاء له داخل قصر الخلافة يكرهون الخليفة الجديد ويمقتون سياسته وعنفه وقسوته.

أولئك العملاء أكدوا للجنود أن الخليفة يعد العدة للقضاء عليهم، وأنه أقام لهم تحت الأرض مقابر بأسماء قادتهم، فعزموا على أن يبدؤوا به قبل أن يبدأ بهم، فهجموا على القصر واعتقلوه وطلبوا منه التنازل عن الخلافة لابن أخيه الراضى ابن المقتدر، فرفض، فما كان منهم إلا أن سملوا عينيه بمسمار محمى، فسالت عيناه على خده، وعزلوه، وتولى مكانه الراضى ابن المقتدر.


وحتى بعد أن سملوا عينيه، استمر القاهر فى مواصلة محاولات الانتقام، ولم يفارقه ما بداخله من أحقاد، فلقد استدعاه الخليفة بعده وهو الراضى وسأله عن أمواله فقال له «إنى قد دفنتها فى البستان الخاص بالقصر» فقال له الراضى فى أى موضع؟ فقال القاهر: «إننى ضرير لا أعلم مكانها» فقام الراضى بحفر البستان كله وكذلك القصر من أساسهما حتى دمرهما تماما فلم يجد المال فسأل القاهر عن ذلك، فقال القاهر: إنه لم يكن هناك أى مال إنما أردت بذلك أن تدمر البستان والقصر اللذين كانا أحب شىء لدى حتى لا تستمتع أنت بهما.


وقد حبسه الراضى، ثم أطلقوه سنة 333 هـ فوقف فى جامع المنصور يتسول من الناس ويقول لهم: تصدقوا على فأنا من قد عرفتم.. وكان ذلك فى خلافة المستكفى حتى يشنع عليهم، فمنعوه من الخروج إلى أن مات سنة 339 هـ، وكان عمره وقتها 52 سنة حسب البداية والنهاية لابن كثير.


لتنتهى حياة مليئة بالغرائب والصراعات والانتقامات والأحقاد.. حياة رجل أراد أن يكون «القاهر» فكان المقهور.


وفى لمحة ذكية، يسجل لنا السيوطى فى «تاريخ الخلفاء»: قال بعضهم: وما تلقب أحد بالقاهر فأفلح لا من الخلفاء ولا من الملوك.


وقيل أيضًا إن السلطان بيبرس حين تولى السلطة بعد اغتيال قطز، فكّر فى أن يتلقب بالسلطان القاهر فلما سمع بمأساة القاهر العباسى، رفض هذا اللقب المشؤوم واختار لقبًا آخر وهو الظاهر بيبرس.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...