غلطة الشاطر

طارق أبو السعد



غلطة الشاطر



فى ظل الهوجة المستعرة عن مبادرات الإخوان للمصالحة اكتشفت أننا أمام مجموعة من المبادرات التى قدمها رجال إما من الإخوان المسلمين وإما قريبون منهم جدا. 1- مبادرة د.طارق البشرى 2- مبادرة سليم العوا 3- مبادرة د.أحمد كمال أبو المجد 4- مبادرة د.محمد جمال حشمت فى بروكسل 5- مبادرة محمد العمدة 6- مبادرة محمد فتح الباب 7- مبادرة حمدى عبيد 8- مبادرة راغب السرجانى 9- مبادرة بسام الأمير النجار 10- مبادرة خيرت الشاطر.


أمام هذا الكم الهستيرى من المبادرات التى تتبناها جماعة الإخوان المسلمين، كان يجب أن نقف قليلا لنلقى نظرة فاحصة لمضمون هذا الكم من المبادرات.


أولا فى تحديد المصطلحات:
هل هى مبادرة وقف العنف، فمثل هذه النوعية من المبادرات تتطلب أن يقف مقدم المبادرة إلى القاعدة من جماهيره وكوادره مطالبًا إياهم بالتوقف عن ممارسة العنف، لاعتبارات إما شرعية وإما اعتبارات فى الحركة.


شرعية إما لأنهم تبين لهم عدم جواز استخدام العنف أو القتل أو التحريض عليه لكونهم أجازوه فى لبس فقهى ممن أباحه خطأ وأنهم اكتشفوا أن هذه الدماء مصونة وما كان لهم أن يبيحوا إراقتها، وأن هؤلاء الأبرياء لم يرتكبوا ما يوجب إباحة دمائهم فلزم التوقف عن سفك المزيد من الدماء، وإما لأن الحركة تتضرر من هذه الممارسات مع الإبقاء على مبدأ أنهم مباحو الدم وإن كان مؤجلا إهدارُها من باب المصالح والمفاسد ليس إلا، ففى هذه الحالة تكون المبادرات من جانب الفاعل «القاتل»، استنادًا إلى قدراته أو على أفكاره التى يؤمن بها.


السؤال: هل ما يقدمه تنظيم الإخوان يندرج تحت هذه المعانى، بكل تأكيد لا! لماذا؟ لأنهم لم يعترفوا بإهدار الدماء، بل ما زالوا متمسكين بشعارهم الفاقد للمضمون أنهم سلميون، رغم كل الدم وكل الأرواح التى أزهقت، وكل الحركات الانتهازية ما زالوا يصرون على أنهم سلميون، وهو قول ليس حقيقيا أبدًا، وعليه فليس ما يقدمونه يمثل مبادرة وقف عنف، لأنه لم يشر إلى عنف الإخوان إنما تعمدوا أن يشيروا إلى تطرف الدولة وأنها هى فقط التى تمارس العنف، وأنهم هم المجنى عليهم وهم سيتركون الأسر تحدد طريقة الترضية، إما القصاص أو الدية.. يا سلام!


إذا لم تكن مبادرة وقف عنف ترى هل هى مبادرة اعتذار عن أخطاء الإخوان فمبادرات الاعتذار أيضًا تقدم من جانب الذى يقر بأنه أخطأ وأنه قدم على ارتكاب أفعال شائنة، سواء تحت ضغط فكرى خاطئ، فيتقدم المخطئ ويعتذر عن أفعاله، سواء برر لها بأنها تمت عبر لبس غير مقصود فأدى إلى تدهور العلاقات، مما نتج عنه استخدام لفظى غير مقصود، سبب ضيقًا أو ألمًا أو أهدر دمًا.. إلخ، فهل مبادرة الإخوان تقع تحت طائلة التصنيف، بالتأكيد لا.. لماذا؟ لأنهم لو أرادوا الاعتذار فعليهم أن يدركوا أنهم أخطؤوا أولا، فهل أدرك تنظيم جماعة الإخوان أنه أخطأ؟ أبدًا لم يدرك إلى الآن أنهم أخطؤوا.. اللهم إلا خطأ واحدًا يعترفون به أتدرون ما هو؟ يؤمن كل إن لم يكن معظم أفراد جماعة تنظيم الإخوان المسلمين فى مصر أنهم أخطؤوا خطأ واحدًا فقط هو «أنهم لم يمارسوا القسوة والعنف بالدرجة الكافية لردع الشعب والأحزاب والثائرين على حكمهم/ وأنهم يتأسفون على الرحمة والعدل وإعطاء الفرصة للآخرين إلى أن تطاولوا على الإخوان، ويزعم الكل، أى أفراد الجماعة قيادة وكوادر وقاعدة ومحبين أنهم لو عاد بهم الزمن إلى الوراء لوجب على الرئيس والجماعة أن يقوموا بمزيد من الإجراءات القمعية والقاتلة والعنيفة ضد كل من تسول له نفسه أن يعترض على حكم مرسى والإخوان». هذا هو الخطأ الوحيد الذى يقرون به فهل سيعتذر الإخوان عن خطئهم بعدم استخدام القسوة والعنف مع شعب عبيد البيادة؟


أمر آخر.. ماذا يمنعهم عن الاعتذار؟ ما يعتذروا؟ أو لا يعتذروا؟ هل سيبنى على اعتذارهم شىء قانونى كأن يتم الإفراج عن قاتليهم؟ القضاء سيقول كلمته والحكم عنوان الحقيقة ولا تعقيب على أحكام القضاء.


أم أنهم يرغبون فى اعتذار شكلى لا لشىء إلا ليفلتوا من العقاب؟  


هل هى مبادرة صلح ومصالحة من الإخوان مع الشعب المصرى؟


حتى هذه المصالحة لها سمات، هى أن تكون بين طرفين متساويين بينهما خلاف، إما فكرى وإما خلاف مادى وإما خلاف حول تفسير تصريحات أدت إلى نشوب سوء تفاهم يستلزم هنا أن يتقدم أحد الطرفين بمبادرة حسن نية تجاه الآخر لإعادة المياه إلى مجاريها، فهل ما يقدمه الإخوان يندرج تحت هذا البند من المبادرات؟ أبدًا، فلا الإخوان طرف يساوى الشعب المصرى، فهم جماعة من الشعب لا يمكن اعتبارهم طرفا يتساوى فى كفتى الميزان مع الشعب المصرى، كما أن الخلاف ليس على تصريحات بين طرفين أو نزاع على أرض أو حدود، إنما الفكرة ككل أن هذا الفصيل مارس خداعًا على الشعب، فقد أفهمه أنه أمين بالدرجة التى صدقها الشعب فحمله عبء تولى الأمانة فنكث الإخوان عهدهم، فنزع الشعب منهم صفة الأمانة وأيضا نزع عنه ثقته فيهم، فعلى «الإخوان» أن تسعى إلى إعادة الثقة فيهم مرة ثانية وليس إعادة المياه إلى مجاريها، هذا شأنهم ولا نتدخل فى شأنهم، أما قرار الشعب المصرى فى أن يثق بالإخوان «لخامس مرة» أيضًا فهذا شأن المجتمع المصرى، وإن كانت جميع الاتجاهات الشعبية ضد السماح للإخوان بالوجود كجماعة حتى الآن، فخيانة الأمانة لدى الشعب عقابها العزل والتشهير للخائن، وهما عقوبتان شديدتان لم يطبقهما الشعب على الإخوان إلى الآ!! فما زال الشعب رحيمًا بالإخوان، إلا أنه فقط عاقبهم بالإهمال، ومواجهتهم بكذبتهم وخيانتهم للأمانة مهما ادعوا أنهم أهل لهذه الثقة، كل هذا لا يدخل فى مضمون ما طرحه الإخوان فى مبادرتهم، إذ ما دخلت الثقة المفقودة بين الشعب والإخوان بطلبهم الغريب بانسحاب الجيش من الحياة السياسية وتنازل السيسى عن الحكم! إنها ليست مبادرة صلح أبدًا فلا الشروط تنطبق على الإخوان ولا ما قدموه يصح أن يطلق عليه أنه مبادرة صلح!
هل هى إذن مبادرة للمراجعة والتراجع؟ حتى مبادرات التراجع لها خصائص ملامح وأطراف، معظمها لا تنطبق على ما يقدمه تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، كتصور خاص منها للحل.


فالمراجعة تكون مراجعة فى علاقة الجماعة «بالأشخاص» وهى أقل دوائر المراجعات، إذ إنها تقوم على تقييم الخطأ المنسوب إلى شخص، كأن نقول إن خيرت الشاطر أو محمود عزت أو المجموعة القطبية هى السبب فيما ارتكب من أخطاء، ونحملهم المسؤولية أو نتحدث عن شخصهم بأمور ذاتية. أو مراجعة وتقييم للأحداث التى مرت بالإخوان والمجتمع المصرى من وجهة نظر جماعة الإخوان، وكيف كانت هذه الأحداث سببًا فى تفاقم الأزمة «أزمة الثقة بين الشعب والإخوان، من وجهة نظر الإخوان أيضًا» وهذه هى الدائرة الثانية للمراجعات وهى أفضل من دائرة الأشخاص السابقة، ثم تأتى أهم دوائر المراجعات قاطبة وهى دائرة الأفكار«أى مراجعة الأفكار» التى آمن بها الأشخاص ففعلوا الأحداث، هنا صلب المبادرة الحقيقية للمراجعة والتراجع.


فهل ما قدمه الإخوان يدور فى هذه الدوائر الثلاث؟ لا طبعًا فلم نجدهم يحملون شخصًا أى شخص خطأً ما، أو أنهم أقروا بأن هناك حدثًا «أى حدث» ما كان عليهم أن يفعلوه وأنهم أخطؤوا فى القيام به، لم نجدهم أبدًا قالوا فى مبادراتهم هذا، ولم ولن يضعوا أفكارهم الرئيسية تحت أنظار المراجعين أبدًا.. قولًا واحدًا، لن يحدث لأنهم يعلمون هشاشة الفكرة وأنها بمجرد تعرضها لنظرية النقد الموضوعى ستنكشف أفكارهم، يظهر فسادها وضعفها وعدم تجذرها فى الفكر الإسلامى.


فماذا يقدم لنا الإخوان؟ إنهم يقدمون كلامًا ساكنًا وعلى رأى الإخوة السودانيين كلام ساكت، ليستهلكوا وقتنا ويبددوا طاقتنا ويشغلوا الرأى العام الداخلى والخارجى، ويصرفوا كوادرهم عن فكرة المراجعات، ويجنبوا قادتهم عبء المساءلة والإدانة التاريخية، لكن هيهات هيهات! فأوزار الإخوان «الأفراد» وكفل الدم المراق فى أعناق قادة الإخوان إلى يوم الدين



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...