اقطف الحياة ولا تخشَ الموت أبدا




اقطف الحياة ولا تخشَ الموت أبدا



قد تبدو قراءة السيرة الذاتية ممتعة ومشوقة للقارئ، بينما قد تكون معذبة ومؤلمة لكاتبها الذى يروى فيها تفاصيل حياة كاملة بحلوها وبمرها.

إنها نوع من التعرى أمام الجميع، وقبله أمام النفس، طالما أراد الكاتب أن يرويها بصدق، دون أن يحذف منها ما قد يخجل منه، والسيرة الذاتية هى نوع من الكتابة السردية، يجذب القارئ إليه، وربما بحث عنه القارئ الذى يريد أن يفيد من تجارب الآخرين، سواء أكانوا أدباء أم فنانين، أم سياسيين أم غيرهم.

إذ هناك من يكتب سيرته الذاتية بحثا عن شهرة وذيوع صيت لما قد تتضمنه من أحداث ومشاهد مسكوت عنها ويقوم هو بتعريتها للجميع، وهناك من يكتبها، ولا هدف له سوى أن يبوح بما فى جعبته ليتخلص مما قد يجثم على صدره جراء كتمانها، وهناك من يكتبها لينقل تجربته الشخصية، إنسانية كانت أم إبداعية، ليفيد منها الآخرون.


وفى سيرته الذاتية، الصادرة عن دار رؤية للنشر والتوزيع تحت عنوان «رسم السيرة الذاتية.. رجال ومواقف» من ترجمة وتقديم إدريس المليانى، يتحدث بوريس باسترناك عن طفولته ومولده الذى كان فى موسكو فى العاشر من فبراير عام 1890، ساردا تفاصيل تخص هذه الفترة كالنزهات الخريفية مع المربية فى حديقة عامة لمدرسة دينية، كما يذكر أن أحاسيس الطفولة تتكون من عنصرين هما الخوف والحماس.

باسترناك يقول إن العقدين الأولين من حياته يختلف أحدهما عن الآخر اختلافا شديدا، فى التسعينيات كانت موسكو لا تزال محافظة على قسماتها القديمة بملامحها الأسطورية كروما الثالثة، ومع حلول قرن جديد تحول كل شىء كما بحركة صولجان سحرى، وكانت موسكو، بعد أن تجاوزت سان بطرسبورج، تدشن فنا روسيا جديدا، فن مدينة كبيرة فتية عصرية حديثة.


ولا ينسى باسترناك فى معرض حديثه عن سيرته أن يتحدث عن أبيه الرسام المتميز والمدرس فى معهد الفنون، ويُقر أنه كان منذ أيام طفولته ميالا إلى الصوفية والخرافة وأسير السحر السماوى، لقد كان يؤمن بوجود عالم بطولى أعلى، يجب أن يُخدم بحماسة مهما يحمل من آلام، هذا وقد أوشك كثيرا وهو قبل الثامنة من عمره على الانتحار.

باسترناك يقول كذلك عن معلمه الذى تعلم منه الموسيقى: يجب أن يكون للحقيقة المعروفة لدى الجميع نصيب من السعادة النادرة، التى تبتسم مرة كل مئة عام، وعندئذ تجد الطريق إلى التطبيق، مثل تلك السعادة كان سكريابين، وكما أن دستوفيسكى ليس روائيا فقط، وبلوك ليس شاعرا فقط، كذلك سكريابين ليس موسيقيا فقط، لكنه مناسبة للتهانى المستمرة، ونصر مجسد وعيد للثقافة الروسية.
باسترناك يرى فى سيرته أن الفن طافح بأشياء مشهورة لدى الجميع، وبحقائق شائعة، ومع أن الانتفاع بها مباح للجميع، فإن الأصول المعلومة لدى الجميع تنتظر زمنا طويلا دون أن تجد طريقها إلى الاستعمال.

كما يتساءل باسترناك عما هو الأدب بمعنى الكلمة الأكثر شيوعا وذيوعا؟ ويجيب بأنه عالم الفصاحة والأفكار التافهة المبتذلة، والجُمل الرشيقة المتناسقة، والأشخاص المحترمون، الذين كانوا فى شبابهم يراقبون الحياة، وعند بلوغهم الشهرة انتقلوا إلى التجريد والكلام المكرور والتبصر.

أيضا يقول باسترناك إنه من الضرورى فى الحياة أن نفقد أكثر مما نربح، البذرة لا تنبت إذا هى لم تمت، وعلى المرء أن يحيا دون أن يكل، وأن يتطلع إلى الأمام، وأن يتغذى بهذه الذخائر الحية التى ينتجها النسيان بالاشتراك مع الذاكرة. هذا وتحتوى سيرة بوريس باسترناك الذاتية على العديد من المواقف الحياتية والتجارب الإنسانية، التى يستفيد منها كل من يطالعها ويقرأها بتأنٍ وتركيز.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..