رجال قبل الرسول.. أمية بن أبى الصلت وقيود بدر التى منعته من إشهار إسلامه

شعبان ناجى



رجال قبل الرسول.. أمية بن أبى الصلت وقيود بدر التى منعته من إشهار إسلامه



أمية بن أبى الصلت من أهم وأشهر الشعراء الذين ظهروا قبل الإسلام، وهو -قبل هذا- واحد من أخطر المتحنفين الذين دانوا بدين إبراهيم، عليه السلام، فقد أقر بالبعث والحساب، وكان دائمًا ما يقول لأبى سفيان محاورًا إياه: «والله يا أبا سفيان لَنبعثنّ ثم لنحاسبنّ، وليدخل فريق الجنة وفريق النار»، وقد قال شعرًا فى ذلك الأمر، نذكر منه هذه الأبيات:

باتت همومى تسرى طوارقها أكف عينى والدمع سابقها
مما أتانى من اليقين ولم أوت برأة يقصى ناطقها
أم من تلظى عليه واقدة النار محيط بهم سرادقها
أم أسكن الجنة التى وعد الأبرار مصفوفة نمارقها
وإننا لنلحظ التشابه الواضح بين مفردات أمية ومفردات القرآن، بل إن الكثير من شعره متطابق تمامًا مع القرآن، وهو ما يؤكد أن أمية كان مهيأً تمامًا لأن يكون هو النبى المنتظر الذى سوف يهبط عليه الوحى، فقد روى الإخباريون قصصًا عن التقاء أمية مع الرهبان وتوسمهم فيه أمارات النبوة، وعن هبوط كائنات مُجنحة شقت صدره فأخرجت قلبه وغسلته وطهرته، وذلك تهيئةً لمنحة النبوة، وهو كما نرى الأمر الذى حدث مع محمد بالضبط.
ولقد كان أمية يحاول أن يثبت أنه النبى المنتظر بحق؛ لذا فقد حرّم على نفسه الخمر والزنى، وتجنبَ عبادة الأصنام، بل يقال إنه كان يصلى ويصوم ويلتمس الدين بكل تفاصيله، ثم راح يقول شعرًا يتضمن الكثير من قيم وتعاليم الإسلام، ونحن هنا نستبعد أن يكون هذا الشعر منتحلًا فى جملته، ذلك أن الرواة لم يذكروا ذلك، كما أن النبى نفسه كان يطلب شعره، فقد ذكر الإمام أحمد فى ذلك: «حدثنا إبراهيم بن ميسرة أنه سمع عمرو بن الشريد يقول: كنت ردفًا لرسول الله فقال لى: أمعك شىء من شعر أمية بن أبى الصلت؟ قلت: نعم. فقال: فأنشدنى بيتًا. فلم يزل يقول لى كلما أنشدته بيتًا: إيه، أى: زِد، حتى أنشدته مئة بيت».
ورغم إقرار أمية بالإسلام فإنه عندما نزلت الرسالة على محمد رفض الدخول فى الإسلام، بل إنه لم يعترف ساعتها بدين محمد أساسًا، وذلك لأنه كان يرى نفسه هو الأحق بالنبوة، وهنا انطلق شعره مؤكدًا أنه لا دين إلا دين إبراهيم، حيث أسقط الديانات الأخرى كاليهودية والمسيحية. وعلى هذا الأساس فقد ظل أمية على موقفه الرافض حتى مات بالطائف كافرًا بالأوثان وبالإسلام معًا، وذلك فى السنة التاسعة للهجرة.
ولكن بعض الروايات تشير إلى أنه كان فى سبيله إلى أن يسلم، لكنه مر فى طريقه بمقبرة دفن بها بعض قتلى بدر من سادات قريش، فما كان منه إلا أن شق ثوبه وجلس يبكى، ثم أرسل شعرًا مهاجمًا محمدًا الذى سولت له نفسه أن يقتل ذوى رحمه وقرابته، فلو كان نبيًّا حقًّا لَما فعل ذلك قط.
ومنذ هذه الساعة راح أمية يحارب الدين الجديد، وقد ذهب فى الوقت ذاته يعلى من دين أبيه إبراهيم، وهو ما فعله محمد بالضبط عندما رفضته قريش، ويقال إن له أشعارًا كثيرة حول هجومه على محمد ودينه، فيها حدة وتلميح حول التشكيك فى نسب محمد وأنه ليس من قريش أصلًا، للدرجة التى جعلت ابن هشام يتحرج من رواية الكثير من هذه الأشعار.
نقول فى النهاية إن أمية بن أبى الصلت كان شخصية مثيرة للجدل، وكان سابقًا لعصره؛ لأنه كان صاحب رأى، وله مبدأ راسخ لا يتزعزع، كما أنه كان عقلانيًّا إلى درجة كبيرة فلم تسيطر عليه اللاهوتية، ودليل ذلك أنه أول مَن أقر بالإسلام، ورغم ذلك لم يدخله لأنه رأى -من وجهة نظره- أن مبادئ هذا الدين قد انحرفت عن المسار الذى سلم به وآمن.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..