الأولويات التائهة فى هذا البلد.. لماذا يتساوى رد الفعل المصرى أمام المشكلات الكبيرة والصغيرة؟

معتمر أمين



الأولويات التائهة فى هذا البلد.. لماذا يتساوى رد الفعل المصرى أمام المشكلات الكبيرة والصغيرة؟



ليست كل الجوانب مظلمة فى هوجة إعلانات رمضان، فبعضها يثير الغثيان، وبعضها يثير الحماسة ولو إلى حين، المهم الناس تتفاعل مع إعلانات رمضان بطريقة مكررة كل سنة، فالنقد اللاذع هو السمة الأساسية لحديث الناس حول الإعلانات، حتى إن بعض شركات المياه الغازية لم تطرح إعلاناتها بعد، ومع هذا نالها رصيد من النقد! والمسألة ليست حول مضمون الإعلان، ولكن حول كيفية فهمنا للظواهر التى تحدث حولنا، فمثلا إعلان محمد صلاح الذى يحفز فيه الشباب على عدم الدخول فى سكة المخدرات، نال هو الآخر بعض النقد، وكان مضمون النقد يدور حول جمهور المستقبلين، «هل يشاهد مدمنو المخدرات الإعلانات لكى يمتنعوا؟ أم لهم عالم آخر بعيد عن التليفزيون الذى نشاهده؟»، نسى من يطرح هذا الرأى أن الرسالة تحفيزية لمنع الشباب الصغير من الدخول فى هذا الطريق السيئ، ثم نقد آخر طال إعلانات وزارة الاستثمار للترويج عن الاستثمار فى مصر، بحجة أن المستثمر الأجنبى لا يشاهد التليفزيون المصرى، ناهيك بعدم فهمه لغة الإعلان العربية! نسى أصحاب هذا الرأى أن الاستثمار الداخلى لا يقل أهمية عن الاستثمار الخارجى، وأن وزارة الاستثمار لديها حملة إعلانية باللغة الإنجليزية على فضائيات دولية أخرى، فلماذا استحضار النقد الهدام بهذه الطريقة على كل شىء حتى لو كان جيدا؟

رد فعل المصريين يتساوى أمام المشكلات الكبيرة مثل المشكلات الصغيرة، حيث تستطيع أن تجد نفس رد الفعل الأوفر جدا، جراء متابعة إعلانات غير مرضى عنها، وجراء قتل إسرائيل لعشرات الفلسطينيين على حدود غزة، القاسم المشترك بين الحدثين هو اجتماع المصريين على فعل شىء واحد فى نفس الوقت، فعند الإفطار يجتمع الناس للإفطار ويكون التليفزيون عادة فى الخلفية، وهو ما يجعل المصريين يفعلون نفس الشىء فى نفس الوقت، وبالتالى نحصل على رد الفعل الجماعى الملىء بالأفورة، أما فى حالة غزة، فلأن عدد الشهداء كبير، ولأن السوشيال ميديا انتبهت ونقلت بقدر كبير لما يحدث على حدود غزة، فإن رد الفعل كان من نفس العينة، حيث استحوذ الموضوع على مساحة كبيرة من اهتمام الناس المتعاطفة مع ضحايا آلة القمع للمحتل الإسرائيلى! وانهالت تعليقات المصريين من نوعية الحسبنة على الصهيونى، والدعاء للفلسطينى، وجلد الذات لكل ما هو عربى! ولا أذكر ماذا حدث بعدها، لكن انصرف الناس إلى مشاغلهم، واجتمعوا مرة أخرى على موضوع آخر، أظن هذه المرة كان موضوع تركى آل الشيخ وبيانه حول الاعتذار عن الرئاسة الشرفية للنادى الأهلى، وعلى الرغم من أن الناس سمعت من طرف واحد، ولم تسمع من محمود الخطيب ردا على البيان، فإن الناس اجتمعت على الهجوم الفورى على تركى آل الشيخ، بالتجريح والإهانة، ونال الخطيب حظا وافرا من الموضوع، ثم ماذا؟
مع كل حدث يجتمع فيه الناس فإن رد الفعل العنيف سيد الموقف، سواء هذا التفاعل مع أو ضد الحدث، وأيضا سواء كان الحدث كبيرا أو صغيرا فإن الناس تتفاعل بنفس القدر والانفلات العاطفى، الفرق بين الحدث الكبير والصغير هو مدة التفاعل وليس حجم الأفورة، ففى الحدث الصغير قد يأخذ بعض ساعات، أما الحدث الكبير فسيأخذ بعض ساعات إضافية، أو لحين حدوث واقعة أخرى تشد الانتباه، وقبل الحكم على ما نراه واضحا أمام أعيننا وضوح الشمس، فلنحاول أن نغطس قليلا فى هذه الظاهرة! ماذا حدث للمصريين؟ أغلب الظن أن الناس تفتقد الشعور بالحياة والأمان، فالدنيا تسير بسرعة كبيرة، وكل الأمور تتغير وتتحول بسرعة من حولنا فى كل المستويات، عصر النت، وعصر فيضان المعلومات، وعصر التسريبات اللا نهائية، وعصر التغييرات السياسية الكبرى فى المنطقة، وعصر انهيار وإعادة هيكلة الجمهوريات العربية، ثم هو العصر الذى عادت فيه الدول الكبرى لتقرر مصائر دول المنطقة وشعوبها، دون كلمة لأهل المنطقة، ثم هو العصر الذى نتحالف فيه مع إسرائيل لضرب دولة إسلامية، ونتحالف فيه مع دول عربية لمحاصرة دولة عربية أخرى.. إلخ، ناهيك بالتغييرات الداخلية الكبرى من ثورات، وتحرير للاقتصاد، وتعويم للعملة، مع فقدان قيمة كبيرة من المدخرات، بالإضافة لغلو المعيشة، هذا والأمل معقود على شخص الرئيس السيسى للخروج مما نحن فيه، لكن لصبر ووعى الناس حدود.
لذلك الناس تصرخ لكى تشعر أولا بأنهم ما زالوا على قيد الحياة، وأنهم ما زالوا قادرين على الشعور والإحساس بما يجرى حولهم، وثانيا يصرخون لكى يسمعهم أحد فى وسط صخب الحياة من حولهم لكى يسمعهم أحد وينتبه إليهم، وهذا فى رأيى هو السبب الذى جعل المصريين يظهرون وكأنهم أكثر صخبا، بينما الواقع خارج المدن، لاسيما الكبرى، أكثر هدوءا وأكثر سكينة، أو بالأحرى الواقع خارج مجتمع السوشيال ميديا أكثر راحة، وأظن أننا كأفراد بوسعنا أن نفعل دورا كبيرا لنحيا حياة طبيعية بعيدة عن الصخب، ونساعد أيضا المجتمع فى الوصول لحالة من النضوج الإلكترونى تهذب ما نراه من أفورة، فمثلا الحياة ستتحسن بطريقة كبيرة جدا إذا أحسنا الإنصات لمن حولنا، فعندما يشعر الإنسان أن صوته مسموع ولو فى دائرة صغيرة، فإن هذا ينعكس بالإيجاب على سلوكه، وتعود إليه البسمة والابتسامة، ولو أننا راعينا من نقابله رعاية بسيطة فى التعاملات فإننا نسهم فى نشر وعى غاب عنا، وهو أن نحب للناس ما نحب لأنفسنا، صحيح أن لغة الجسد لدى الكثير من الناس مليئة بالإحباط، والسلبية، والتذمر، لكن صحيح أننا لن نستطيع تغيير كل شىء فى لمحة واحدة، بل يمكن الحديث مع من نحب، يزيح عن أنفسهم تراكمات الأيام الصعبة، وبالتالى ينعكس على لغة الجسد، المهم أن ندرك أننا رغم أنه بسبب وجودنا فى عصر الاتصالات فالناس أصبحت أكثر حشرية وليست أكثر مراعاة! وإلى أن نطوع السوشيال ميديا، ونهذب ما علق بنفوس الناس، علينا كأفراد أن نحاول مع من حولنا إلى أن يصبح الموضوع أولوية فى سياسات البلد.



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...