موهبة ترامب التسويق وليست التفاوض

فريد زكريا



موهبة ترامب التسويق وليست التفاوض



ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

إن انتقاد دونالد ترامب المتكرر لسلفه هو أنه لم يكن يعرف كيف يعقد صفقة، وغرد فى ٢٠١٦ بأن «أوباما ليس صانعًا للصفقات بالطبيعة» فى شكواه من عدم وجود اتفاق بشأن سوريا. وتنبأ خطأً فى ٢٠١٣ بأن «أوباما سيهاجم إيران لعدم قدرته على التفاوض بشكل سليم»، وكان ترامب لاذعًا بشأن انعدام النجاح التشريعى للرئيس باراك أوباما، معلنًا أنه «غير قادر على التفاوض مع الكونجرس»، وغرَّد فى ٢٠١٥ قائلًا: «نحن بحاجة إلى قادة يستطيعون التفاوض على صفقات عظيمة للأمريكيين»، والمعنى الضمنى واضح -فهو أفضل صانع للصفقات.

ومضى نحو ٥٠٠ يوم فى عهد إدارة ترامب، أين الصفقات؟ أين إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، والاتفاقات التجارية الثنائية التى كانت لتستبدل الشراكة عبر المحيط الهادئ، واتفاق إيران النووى الجديد والمعدل، واتفاق الصين التجارى؟ إن سجل ترامب فى العمل مع الكونجرس أقل روعة حتى، فلم يتمكن من عقد اتفاق مع الديمقراطيين على أى شىء، من الهجرة حتى البنية التحتية.
وكثيرًا ما يقول إن العالم يضحك علينا. حسنًا، فى ما يجب أن يفكر العالم الآن بينما يشاهد إدارة ترامب تتقلب بعنف فى كل شىء، من كوريا الشمالية إلى الصين؟ ماذا كان يجب أن يفكر العالم عندما شاهد سيد المفاوضين فى جلسة متلفزة مع قادة الكونجرس عن الهجرة، حيث بدا أنه يتفق مع الموقف الديمقراطى ثم مع الموقف الجمهورى (غير المتوافق)، وفى الوقت نفسه يؤكد أنهم سيعقدون صفقة؟ لم يحدث.
والآن قد اتضح أن ترامب فى الواقع مفاوض سيئ -فهو رجل متهور عاطفى يتجاهل الإحاطات ونادرًا ما يعرف التفاصيل ويقدم على الأفعال قبل دراستها.
انظروا كيف تعاملت الإدارة مع قمة كوريا الشمالية. أولًا، تم الإعلان عن الاجتماع بجعجعة كبيرة وسرعان ما أسرف ترامب فى إشادته بزعيم كوريا الشمالية كيم جون أون. وكانت الموافقة على الاجتماع تنازلًا رمزيًّا ضخمًا لبيونج يانج مع الحصول على لا شىء تقريبًا فى المقابل. كانت تلك لتكون قمة بين الرئيسَين على الرغم من التحضير البسيط وعدم تحديد ما إذا كان الجانبان قريبَين بما يكفى ليعقدا مفاوضات جادة على هذا المستوى. وتحمس ترامب بما يكفى ليبدأ فى المبالغة فى احتمالات اتفاق نوعى على الرغم من أدلة قليلة على أى تحرك فى الموقف الكورى الشمالى. وبعد ذلك، شرع مستشارو ترامب فى سلسلة غريبة من التعليقات بدا أنها صممت لتهدد وتخيف وترهب كوريا الشمالية. هل كانت هذه الخطة؟ هل ندمت الإدارة على اقتراحاتها المبكرة؟ أم هل كان كل هذا مجرد عجز؟ هل من العجب أن الأمر بأكمله قد انهار؟
إن ترامب أقل براعة حتى فى تعاملاته مع الصين، فقبيل دخوله البيت الأبيض لوح باحتمال الاعتراف بتايوان، وسرعان ما أغلقت بكين الاتصال مع الولايات المتحدة وكان على ترامب مذلولًا العودة عن تعليقاته فى مكالمة هاتفية مع الرئيس الصينى شى جين بينج.
إن المحادثات التجارية الحالية مع الصين حالة تُدَرَّس فى المفاوضات السيئة، ومن الصعب معرفة من أين نبدأ، فلا يبدو أن حكومة الولايات المتحدة تعرف ما تريد. فى بعض الأيام يبدو أن واشنطن تركز اهتمامها على حجم العجز التجارى، وفى أيام أخرى تركز على نقل التكنولوجيا وسرقة الملكية الفكرية. وبدأ البيت الأبيض هجماته بفرض رسوم جمركية على الصلب، الأمر الذى أثر فى أغلبه على الحلفاء الأمريكيين وضمن أن ليس لديها أى شركاء فى محاولتها للضغط على الصينيين، وبعد الإصرار على أن ما من بلد سيعفى عكست الإدارة مسارها مرة أخرى ووزعت الإعفاءات على أكبر خمسة مصدرى حديد للولايات المتحدة مع أنها تهدد بعكس مسارها مجددًا.
وقد سرب المفاوضون الأمريكيون بشراسة للصحافة لتقويض مواقف بعض، وحتى اختلفوا فى ما بينهم أمام وفد صينى فى وقت مبكر من هذا الشهر، ويبدو أن ترامب نفسه يغير موقفه بشكل متكرر، فبعد أن أعلنت إدارته أنها ستعاقب «زى تى إى» (ZTE)، شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة التى ارتكبت انتهاكات تجارية، غير ترامب رأيه فجأة مستشهدًا بالخوف من التأثير على الوظائف الصينية. تخيلوا الاحتجاج إذا كان أوباما قد تراجع عن وضع ضغط على الصينيين لمساعدة اقتصادهم!
وعلى الصعيد التشريعى، اختار ترامب أن يبدأ رئاسته بملف الرعاية الصحية الانقسامية بدلًا من ملف يوحد مثل البنية التحتية، وفشل فى إلغاء «أوباما كير» على أية حال. آه، ولا تنسوا أن هو وزوج ابنته جاريد كوشنر، كانا سيتوسطان فى الصفقة النهائية، السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.. كيف حال ذلك؟!
وبينما تفشل المحادثات وتنهار الصفقات وتخفق المفاوضات، يستمر ترامب فى التغريد منتصرًا عن نجاحه العظيم، وهذا يجعل المرء يدرك موهبة الرئيس الحقيقية، فلديه الثقة والتبجح والمهارة ليسوق الفشل كنجاح، ويستطيع أن يأخذ بناية متواضعة ويلطخها بطلاء ذهبى ثم يقنع الناس بأنها مجمع سكنى فاخر.. سموه فن الالتفاف.



 

فريد زكريا
كاتب وصحفى هندى- أمريكى، يقدم برنامج «جى بى إس» على قناة «سى إن إن»، يكتب عمودًا أسبوعيًّا بجريدة «واشنطن بوست»، ويسهم فى تحرير مجلة «أتلانتيك».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...