نهب آثار مصر.. متى يتوقف؟!




نهب آثار مصر.. متى يتوقف؟!



لعل أول ما يلفت انتباهنا بعد إعلان السلطات الإيطالية، الأسبوع الماضى، ضبط قطع أثرية مصرية نادرة مهربة فى حقيبة دبلوماسية، أن معظم حوادث تهريب الآثار المصرية إلى الخارج -إن لم يكن كلها-  قد كشفتها وأعلنتها السلطات الأجنبية لا المصرية، الأمر الذى يؤكد أن السلطات المصرية لم تستطع حتى الآن اتخاذ خطوات عملية واقعية فى مواجهة عمليات تهريب الآثار التى زادت حدتها بصورة غير مسبوقة، ولا سيما بعد أحداث الخامس والعشرين من يناير 2011!

فى الأسبوع الماضى، نشرت الصحف الإيطالية تقارير تؤكد عثور السلطات الإيطالية على كميات هائلة من الآثار المصرية المهربة فى حاوية دبلوماسية قادمة من ميناء مدينة الإسكندرية، ليتم مصادرتها فى ميناء «ساليرنو» الإيطالى بمعرفة شرطة حماية التراث الفنى بمدينتى نابولى وروما، ورجحت تلك الصحف أن هذه القطع الأثرية تم تهريبها لتمويل عمليات إرهابية لتنظيم داعش، خصوصا أن تجارة الآثار ثالث مصدر من مصادر تمويل تلك التنظيمات الإرهابية بعد تجارتى المخدرات والأسلحة، ولم تجد الصحف الإيطالية غضاضة من الاعتراف بأن ميناء «ساليرنو» يعد أحد الموانئ المركزية فى أوروبا للاتجار غير المشروع فى القطع الأثرية، فهو أحد طرق الربط بين الشمال الإفريقى وأوروبا، وقد شهد هذا الميناء قبل عامين إحباط عملية تهريب آثار مماثلة لتلك العملية، ما يعنى أن إيطاليا بمثابة نقطة عبور للقطع الأثرية المهربة من مصر، تحديدا، إلى كل من روسيا والولايات المتحدة، وهو ما يثر تساؤلات مهمة للغاية، لعل أبرزها هو: هل تمتلك السلطات المصرية معلومات كافية عن مركزية هذا الميناء، وأهميته لدى تجار ومافيا الآثار المهربة؟! وهل ثمة اتصالات وتنسيق أمنى ودبلوماسى وقانونى مع الجانب الإيطالى تجاه تلك القضية الخطيرة التى تتعلق بتراث مصر وثروتها التاريخية أم لا؟!
يبدو من الراجح أن تلك الآثار المهربة مصدرها عمليات التنقيب غير المشروعة فى أراضى الدلتا والصعيد، تخصيصا، وليس مصدرها السرقات من المتاحف أو مخازن وزارة الآثار، على الرغم من أن تلك المخازن تفتقد إلى أدنى درجات التأمين ولا سيما أن مسؤولى المخازن فى وزارة الآثار لا يزالون يصرون على عدم تركيب كاميرات مراقبة إلكترونية بذريعة الحفاظ على سرية ما تحتويه تلك المخازن من آثار، وعلى الرغم من ذلك كله فإننا نرجح أن معظم كميات الآثار المهربة إلى الخارج إنما مصدرها عمليات التنقيب غير القانونية!
مسلسل تهريب الآثار لا ينتهى فى مصر، حتى لكأنه يبدو لا نهائيا، على الرغم من التعديلات القانونية الأخيرة المغلظة التى طالت قانون الآثار، وهى التعديلات التى تنص على السجن المؤبد لمدة خمس وعشرين سنة، وغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تزيد على عشرة ملايين، لمن قام بتهريب أثر إلى خارج البلاد مع علمه بذلك، لكن لم ينته مسلسل التهريب، بل زاد على الحد، ومما يؤسف عليه أن معظم -إن لم يكن كل- عمليات التهريب تلك لم تكشفها ولم تعلن عنها السلطات المصرية، بل كانت السلطات الأجنبية، دائما، هى مصدر الكشف والإعلان عن ذلك، وقد كان آخر تلك العمليات فى مارس الماضى، عندما اعلنت السلطات الكويتية ضبط غطاء تابوت فرعونى كامل وصل مطار الكويت مهربا داخل قطعة أثاث «كنبة أنتريه!»، وهو ما يدل دلالات قاطعة لا تقبل المماحكة، على أن إجراءات التفتيش والمسح الضوئى -إن وجد بالأساس!- والكشف عن الآثار والقطع الثمينة، فى مصر، تعانى من الفشل المبين، أو التقصير والتواطؤ، ويكفى أن السلطات الخارجية هى التى تكشف عن تلك الآثار والقطع المهربة التى تخرج من مصارات وموانئ مصر معززة مكرمة!
وثمة نقطة مثيرة أخرى ينبغى أن لا تفوتنا، وهى أن ما يتم ضبطه من آثار مهربة إنما هو أقل بكثير مما يمر آمنا دون ضبط، فالمضبوط أقل بكثير من العدد الحقيقى، فهناك آلاف من القطع الأثرية لا يتم كشفها لسبب أو لآخر، لذلك تشير إحصائيات شبه رسمية إلى أن نسبة الآثار التى هربت خارج مصر منذ أحداث الخامس والعشرين من يناير يتعدى 30% من إجمالى آثار مصر، ولا يفوتنا أن نذكر، ها هنا، بأن وزارة الآثار قد أعلنت فى شهر أغسطس من العام الماضى اختفاء 32 ألفا و638 قطعة أثرية على مدى نحو خمسين عاما مضت، ولا سيما فى العامين الآخرين، وهو رقم مفزع لا شك، ولا أدرى كيف مرت تلك القضية مرور الكرام هكذا دون تحقيقات موسعة، ودون الإعلان عن اتخاذ سلسلة من الخطوات العملية المختلفة التى من شأنها إجهاض عمليات التهريب ونهب المخازن التابعة لوزارة الآثار؟!
دون الدخول فى تفاصيل وسيناريوهات تصلح للأعمال السينمائية المثيرة، فإن الواقع يؤكد أن مصر بها شبكة، بل شبكات ربما تكون مرتبطة ببعضها بعضا، لتهريب الآثار، بداية من الإشراف على التنقيب عنها، وإخراجها من باطن الأرض، وتوفير حماية لأصحابها، وليس من المستبعد وجود شخصيات نافذة تتصل بتلك الشبكات التى تتكاثر فى صعيد مصر، تحديدا، والمشكلة ليس فى تتبع تلك العصابات أو تلك الشخصيات النافذة، فمن الممكن السيطرة الأمنية والاستخباراتية والمعلوماتية على ذلك الأمر تماما، بل المشكلة فى نظرى تتمحور حول استرداد ما يتم تهريبه من آثار، فالآثار المهربة إذا لم تكن مسجلة لدى وزارة الآثار فإن عملية استردادها ستكون صعبة للغاية، فمسألة تسجيل الآثار هامة للغاية، وينبغى على السلطات مراعاة ذلك، ولا مندوحة عن الإشارة إلى أن وزير الآثار نفسه قد اعترف منذ أقل من شهرين أمام مجلس النواب بأن الآثار الإسلامية، جميعها، غير مسجلة، ومعظمها داخل مساجد تابعة لوزارة الأوقاف لا الآثار، وبالتالى لا توجد حراسات عليها، ولا احتياطات أمنية تحول دون سرقتها ونهبها أو حتى إتلافها، وهو أمر جد خطير، ولا أدرى لم يتم السكوت عليه بهذه الصورة، كأننا نفتح أبوابا لنهب تلك الآثار!
الغريب فى الأمر، أن تلك التساؤلات التى يحويها هذا المقال، لم تخطر على بال الحكومة ولم تعتن بالإجابة عنها، بل إن أهم ما اعتنت به هو ردها على السلطات الإيطالية فى محاولة منها لتبرئة مسؤوليها من تهمة تهريب أو الاشتراك فى تهريب الآثار إلى الخارج؛ فقد صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية أن شحنة الآثار المهربة لم تكن تخص دبلوماسيا مصريا، ولكنها تخص مواطنا إيطاليا «..» على عكس ما تداولته السلطات والإعلام فى إيطاليا، وأيا كان الأمر وحتى انتظار نتائج التحقيقات،  فإن الواجب كان يقتضى رد الحكومة على أهم التساؤلات التى تثيرها تلك القضية وها نحن أولاء نكررها:
كيف خرجت شحنة الآثار المهربة من ميناء الإسكندرية؟
لماذا لا يوجد فى قرى البضائع والمنافذ البرية والمطارات فى مصر أجهزة مسح ضوئى متقدمة؟ وإذا كانت موجودة فكيف مرت تلك الشحنة وما سبقها من شحنات؟ ومن المسؤولون عن تلك الأجهزة؟
لماذا لم تعلن السلطات المصرية نتائج التحقيقات حول عملية تهريب غطاء التابوت الفرعونى النادر إلى مطار الكويت؟
لماذا تهمل الحكومة، حتى الآن، تسجيل الآثار الإسلامية؟ ولماذا تهمل تقنين أوضاعها فى المساجد التابعة لوزارة الأوقاف؟
لماذا لا تقوم الدولة بتركيب كاميرات مراقبة فى مخازن وزارة الآثار؟
وغير ذلك من تساؤلات كنا نتمنى أن تجيب عنها الحكومة بدلا من أن تحاول نفى التهمة عن «الحقيبة الدبلوماسية»!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.