حين تندمج الأحزاب الميتة إكينيكيًّا.. كيف لم يكن للأحزاب دور منذ عام 1976؟!

محمد جمال الدين



حين تندمج الأحزاب الميتة إكينيكيًّا.. كيف لم يكن للأحزاب دور منذ عام 1976؟!



بات الحديث عن الأحزاب ودمجها بعضها مع بعض يشغل بال كثيرين من المهتمين بهذا الشأن، على الرغم من أن التجارب العملية على أرض الواقع أثبتت، بما لا يدع هناك أدنى مجال للشك، أن أحزابنا (لا بتهش ولا بتنش) فجميعها ليس لها من وجود فى الشارع المصرى، ولا تملك أى وجود حقيقى أو فاعلية فيه.

بالمناسبة، هذا ليس بالأمر الجديد على أحزابنا، فمنذ أعاد الرئيس الأسبق السادات الحياة إلى الأحزاب عام 1976، لم يكن لها من حصاد يذكر على الحياة السياسية، وبالتالى على الشارع المصرى، لأنها أحزاب شكلت بأوامر عليا على هوى الحاكم، وسمح لها بقدر معين من المعارضة التى لا تشغل باله أو تتسبب فى إزعاجه، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تمنح هذه الأحزاب مقرات لها، بالإضافة إلى مبلغ مالى لدعم نشاطها، ورخصة جريدة لتعبر عن آراء وسياسات الحزب، ناهيك بتأشيرات الحج والعمرة التى كان يتم بيعها للغير من خارج أعضاء الحزب، هذا بخلاف الامتيازات الأخرى. استمرت هذه الحال أو هذه السبوبة التى استفاد منها كل مَن كون حزبًا، سواء فى عهد مبارك أو فى عهد الجماعة إياها غير المأسوف على أيامها.
بالطبع لا يمكن أن نغفل جانب الوجاهة الاجتماعية التى كان يفتقدها البعض من قادة هذه الأحزاب فى هذا الوقت، هذه الامتيازات والعطايا والهبات هى ما جعلت البعض يقارن بين ما قدمته هذه الكيانات للحياة السياسية وما قدمته بعض الحركات مثل «كفاية» و«تمرد» و«الجمعية المصرية للتغيير» فى أثناء هذه الفترة. مؤكد المقارنة كانت فى صالح هذه الحركات، التى وقف خلفها العديد من أبناء الشعب المصرى الذى تأثر بها، لأنه كان ينشد التغيير عكس الأحزاب الموالية للنظام القائم، فاتسعت الفجوة بينها وبين الشارع، خصوصًا بعد أن تعدى عددها المئة حزب فى أثناء فترة السيولة الحزبية وقت حكم الجماعة إياها، أغلبها غير ممثل فى البرلمان، وليس لها من وجود سوى اسمها فقط، ولهذا لا ينشغل الشارع بأمرها كثيرًا، بل وليس لديه حب استطلاع حتى ولو من باب الفضول، لمعرفة مَن هو صاحب الأغلبية المؤيدة للحكومة على طول الخط، أو مَن هو المعارض لها، وهذا ما تجلى بوضوح عندما فشلت الأحزاب المصرية فى الدفع بمرشح لينافس الرئيس السيسى فى الانتخابات الرئاسية، والذى قال بوضوح: إن أحزابنا ليست جاهزة، ولهذا ناشد قادتها باندماج الأحزاب المتشابهة فى البرامج والرؤى السياسية مع بعضها، رغم أن الاندماج فى حد ذاته أفرز عقبات وأسئلة جديدة على أرض الواقع، رغم ندرته حتى الآن بين الأحزاب الموجودة على الساحة، مثل: هل مَن كان رئيسًا لحزب يقبل أن يكون مرؤوسًا؟ وهل اندماج بعض الأحزاب بعضها مع بعض يتم عن قناعة؟ أم لرغبة فى التغيير فقط والطمع فى منصب أكبر؟ وهل شعار الانتماء الحزبى أصبح مجرد كلام يتردد فقط بين وقت وآخر؟ وعندما تتعارض المصالح يذهب كل واحد إلى حال سبيله، وأخيرًا هل عن طريق الدمج سيتم الالتفاف على حكاية اللائحة التى تجيز الفصل من البرلمان عند تغيير الصفة بأغلبية ثلثى الأعضاء (والتى أعقب عليها من الآن بأنه لم ولن يفصل أى نائب من البرلمان غير صفته البرلمانية)، رغم ما فى ذلك من خيانة لثقة الناخب الذى فضل هذا المرشح عن ذاك بسبب الحزب الذى ترشح على قوائمه.. جميعها أمور تدخل تحت بند العك الحزبى غير محدد الملامح، الذى بدوره انعكس على الجانب السياسى فى البلاد وعلى أداء نواب البرلمان الحالى المؤيد لكل قرارات الحكومة، نحن نعرف أن أحزابنا تدب فيها الخلافات بين وقت وآخر، ونار الغيرة تنهش قلوب مَن يديرونها، وهذا ما أكده نائب رئيس حزب الوفد سابقًا النائب حسام الخولى، وأمين عام حزب مستقبل وطن حاليًّا، حينما قال: «إن سبب ضياع الأحزاب هو كثرة الخلافات والانفراد بالرأى، وتجاهل الآخرين كان سببًا فى التفتت والضياع»، مما يؤكد موت الأحزاب إكلينيكيًّا، بل إن بعضها مجرد وجوده على الساحة السياسية يعد مخالفًا للدستور الذى يحظر وجود أحزاب دينية بعض قادتها يدعمون الإرهاب ضد الدولة، وفى النهاية نطلق عليهم وصف حزب أو أحزاب، لا يعرف الشارع المصرى عنها شيئًا، ولا يعرف حتى قادتها سوى عند ذكر أسمائهم فى برنامج تليفزيونى أو فى مؤتمر صحفى، لأنهم أصحاب أحزاب مصنوعة بقرار لا أحزاب ترتكز على رؤية سياسية نتجت عن قواعد ديمقراطية ثابتة، أحزاب لا تملك الحد الأدنى من الرؤية السياسية، ولهذا تحكمها الفردية فى اتخاذ القرار من الرجل الأول أو الأوحد.. تلك الفردية ليست سوى امتداد للتجربة الحزبية المصرية الحديثة التى بدأت بالاتحاد الاشتراكى ثم إعلان تشكيل المنابر الثلاثة، وما تلاه من تشكيل أحزاب تمثل اليمين والوسط واليسار، التى أنتجت لنا فى النهاية مثل هذه الأحزاب التى ينشد أصحابها الوجاهة الاجتماعية، والأحزاب العائلية، والأحزاب التى لا يتعدى عدد المنتمين إليها المئات، ولذلك لم تدهشنى تصريحات رئيس أحد الأحزاب الذى استفاد حزبه من عملية الاندماج بأن حزبه بات الحزب الأقوى فى البرلمان بعد انضمام عدد كبير من أعضاء الأحزاب والكيانات الأخرى إلى حزبه، رغم علمه وعلم الجميع أن تصنيف الأقوى أو الأضعف لا يقاس بعدد الأعضاء وإنما بأداء نوابه داخل البرلمان ومدى تأثيرهم فيه وما يدور بداخله، والشارع وارتباطهم به، وأعتقد جازمًا أن جميع الأحزاب المصرية الموجودة الآن بعيدة كل البعد عن هذا الأمر، وستختفى تدريجيًّا مع مرور الوقت، حتى يأتى يوم ما حزب من رحم الشارع المصرى يؤثر ويتأثر بما يدور فيه ويعرف مؤسسوه طلباته واحتياجاته.



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...