قصة كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبد الرازق

حاتم صادق



 قصة كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبد الرازق



فى أوائل سنة 1925 أصدر قاضٍ شرعى شاب يُدعى على عبد الرازق –وهو حائز على «العالمية» وهى أرفع الشهادات التى يمنحها الأزهر– كتابًا صغير الحجم لا يتجاوز عدد صفحاته المئة إلا قليلا عنوانه «الإسلام وأصول الحكم».


وعلى إثر صدور هذا الكتاب قامت على مؤلفه الدنيا ولم تقعد، ففُصل من عمله فى 17 سبتمبر سنة 1925 تنفيذا للحكم التأديبى الذى أصدرته هيئة كبار العلماء فى 12 أغسطس 1925، والذى بموجبه أخرجت الشيخ على من زمرة العلماء ونزعت عنه لقب أو جائزة «العالمية».


وقد تضمنت حيثيات هذا الحكم كارثة فكرية كما سنبين فيما بعد.


ما هى قصة هذا الكتاب القنبلة ومَن هو مؤلفه.. وماذا كان مِن أصداء وردود فعل صاحبت نشر هذا الكتاب منذ أكثر من تسعين سنة؟
مَن هو الشيخ على عبد الرازق؟
إنه واحد من أبناء أسرة من كبار الملاك المصرية كانت ذات مكانة فى الغنى والعلم والنفوذ.. فهى أسرة عُرفت بتراثها المادى والفكرى.. فقد كان إخوته من أبرز مؤسسى حزب الأمة سنة 1907 ومن بعده حزب الأحرار الدستوريين، وكان أخوه الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق من أبرز تلاميذ الإمام محمد عبده.
وبوجه عام فيمكن أن يقال إن بيت آل عبد الرازق بالقاهرة كان منتدى لصفوة رجال الدين والفكر مثل الأستاذ الإمام محمد عبده وتلامذته ومريديه، وكذلك أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد وغيرهم من العلماء والمفكرين.


ولد فى قرية «أبو جرج» بمحافظة المنيا عروس الصعيد سنة 1887م.


والتحق بعد أن حفظ القرآن الكريم بالأزهر الشريف، ولما تأسست الجامعة المصرية سنة 1908 التحق أيضا بها، فجمع بين الدراسة فيها والدراسة فى الأزهر.


وفى سنة 1912 تخرج من الأزهر وحصل على شهادة العالمية.


وعقب تخرجه سافر إلى إنجلترا على نفقة أسرته، والتحق هناك بجامعة أكسفورد عازمًا على دراسة الاقتصاد، ولكن اندلاع الحرب العالمية الأولى جعله يعود إلى مصر سنة 1915م.


وفى سنة 1915 عُين قاضيا شرعيا بمحكمة المنصورة، واستمر فى هذا العمل حتى أصدر كتابه الأشهر «الإسلام وأصول الحكم».


وبعد القرار التأديبى الذى أصدرته هيئة كبار العلماء والذى أخرجت بموجبه الشيخ على عبد الرازق من زمرة العلماء، سافر الرجل إلى لندن دارسا وإلى شمال إفريقيا سائحا.. ومِن هناك كتب عددًا من المقالات التى نشرتها له مجلة «السياسة» التى كان يصدرها حزب الأحرار الدستوريين.


وفى سنة 1945 تولى أخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر، فأعاد الأزهر للشيخ علِى اعتباره فدخل مرة ثانية فى زمرة العلماء!، وضحكت الأيام للشيخ على فدخل الوزارة التى رأسها إبراهيم عبد الهادى باشا، كما شغل عضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وعين عضوًا بمجمع اللغة العربية.
- وغير «الإسلام وأصول الحكم»، كانت للشيخ علِى عبد الرازق مؤلفات وكتب أخرى، منها «الإجماع فى الشريعة الإسلامية» وهو محاضرات ألقاها على طلاب كلية الحقوق بجامعة القاهرة.


وكتاب «أمالى على عبد الرازق» وهو محاضرات ألقاها على طلاب كلية الآداب بجامعة القاهرة.. كذلك جمع بعضا من آثار أخيه مصطفى عبد الرازق ونشرها بعنوان «من آثار الشيخ مصطفى عبد الرازق» وقدم لها الدكتور طه حسين.


وفى سبتمبر سنة 1966 انتقل الشيخ على عبد الرازق إلى جوار ربه.. ولكن ظلت آثار أزمة هذا الكتاب القنبلة «الإسلام وأصول الحكم» ممتدة حتى تلك اللحظة التى نعيش فيها؛ لخطورة الفكرة المحورية التى طرحها هذا الكتاب والتى تتصل بالسؤال المطروح دائما وأبدا: «هل الإسلام دين ودولة أم لا؟»
والآن وبعد أن تناولنا حياة المؤلف، ننتقل للحديث عن كلمات وأفكار المؤلَف -بفتح اللام- الخطير.


الفكرة المحورية والجوهرية والخطيرة فى هذا الكتاب هى دعوى الشيخ على عبد الرازق أن الإسلام دين لا دولة، ورسالة روحية لا علاقة لها بالحكومة والسياسة الدنيوية وعمارة الكون وتنظيم المجتمعات.. وأن نبى الإسلام لم يؤسس دولة ولم يرأس حكومة ولم يسس مجتمعًا، ولم يدعُ إلى شىء من ذلك بل كان رسولا فقط ما عليه إلا البلاغ.


وإذا كان الأمر كذلك فليس للإسلام رأى فى نوع الحكومة، وعلى المسلمين كأمة أو أمم أن يلتمسوا لسياستهم الحكومة الصالحة بمعايير العقل والمصلحة والتجريب دون أن يقيموا وزنًا لدعوة القائلين «بحكومة إسلامية» ومَن يتصورون أن هذه الحكومة هى نظام «الخلافة» بالحصر والتحديد.


وهذا هو نص كلمات الشيخ على عبد الرازق فى كتابه:
«إن المسلمين إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم، كانوا كغيرهم من أمم العالم كله، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم وترعى شؤونهم.. فى أى صورة كانت الحكومة ومن أى نوع: مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية أو ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية…».


وانطلاقًا مِن كل ما سبق، مضى الشيخ على عبد الرازق فأدان فكر علماء الإسلام القائل بوجوب «الخلافة والإمامة» وجوبا دينيا، وقال إن هؤلاء العلماء بلسان أغلبيتهم الساحقة ومن خلفهم عامة المسلمين قد تصوروا «الخليفة» حاكما مطلقا يستمد سلطانه وسلطاته من الله سبحانه وتعالى، ويمتلك ولاية عامة وتامة وشاملة على دين الناس ودنياهم كولاية الله سبحانه وولاية الرسول.. وهذا هو نص كلمات الشيخ على عبد الرازق:
«فالخليفة عندهم يقوم فى منصبه مقام الرسول، وينزل من أمته بمنزلة الرسول من المؤمنين، له عليهم الولاية العامة والطاعة التامة والسلطان الشامل، وله حق القيام على دينهم فيقيم فيهم حدوده وينفذ شرائعه، وله بالأولى حق القيام على شؤون دنياهم أيضا».


ثم يضيف متحدثًا عن «الخليفة»:
«بل لقد رفعوه فوق صف البشر ووضعوه غير بعيد من مقام العزة الإلهية.. وهو يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى وقوته من قوته».


وقد تناول الشيخ علِى الرأى القائل بأن الخلافة ضرورية لبقاء الدين فقال:
«معاذ الله أن يجعل عز هذا الدين وذله، منوطين بنوع من الحكومة ولا بصنف من الأمراء، ولا يريد الله جل شأنه لعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة ولا تحت رحمة الخلفاء…».


هذه هى الأفكار المحورية والجوهرية لكتاب «الإسلام وأصول الحكم».


يتبقى أن نشير إلى الوقت وإلى الظروف والملابسات السياسية التى ألقى فيها الشيخ على عبد الرازق بكتابه القنبلة.. وإلى ردود الفعل التى اختلفت وتباينت تجاه هذه الأفكار التى تضمنها هذا الكتاب الصغير جدا من حيث الحجم، والذى وصفه صاحبه ومؤلفه بأنه «قول غير معروف وربما استكرهه سمع المسلم».. لكن فى نفس الوقت كان عنده أمل «أن يجد الباحثون فى هذه الورقات شيئا من جدة الرأى «حسب نص كلماته بالحرف».


وفى سنة صدور الكتاب 1925، كان الدستور معطلا وسعد زغلول مبعدًا عن الحكم، وكان الملك فؤاد يحكم مصر حكما استبداديا بواسطة وزارة ائتلافية من حزبى الاتحاد والأحرار الدستوريين، يرأسها أحمد زيور باشا.


وقبل صدور هذا الكتاب بعام كانت الخلافة الإسلامية قد سقطت فى 3 مارس سنة 1924 فى تركيا، تحت أقدام مصطفى كمال أتاتورك الذى طارد فى بلاده الخلافة الإسلامية والإسلام على السواء، وهذا هو التعبير الذى استخدمه الأستاذ المرحوم أحمد بهاء الدين فى كتابه «أيام لها تاريخ».


ولأول مرة منذ وفاة النبى، تخلو الدنيا من الخلافة الإسلامية، فالتقط الإنجليز الخيط، ودارت فى رؤوسهم فكرة إنشاء خلافة إسلامية جديدة تنمو فى حمايتهم وتحت نظرهم ورعايتهم! بمعنى أصح «خلافة عميلة».


وفى نفس الوقت –وبحسن النية– تطلعت دوائر وأوساط متعددة فى مختلف أنحاء العالم الإسلامى لإحياء وتجديد هذه الخلافة.. بعضهم يرى أن الخلافة واجهة يقف خلفها المسلمون فى معركتهم ضد زحف الغرب وأطماع الاستعمار، ويراها آخرون أثرًا عزيزًا من آثار تراث عزيز وغالٍ تستحق العمل لمد أجلها والاحتفاظ بها للإسلام والمسلمين.. ويراها البعض واجبا دينيا وأصلا من أصول الإسلام يأثم المسلمون جميعا بتركها فريسة للموت والفناء.


كما تطلعت لملء هذا المنصب المهيب عروش وأمراء، كان فى مقدمتهم يومئذ الملك فؤاد.


ولو حاولنا ربط الخيوط ببعضها، فسوف نجد أن الإنجليز فى خطتهم لإنشاء «خلافة عميلة» قد اتجهوا بأبصارهم لأكبر عرش فى الشرق الأدنى وأقدم عرش يدين بالولاء للإنجليز ويعترف لهم بالفضل والجميل.. إنه عرش مصر الذى لولاهم لأطاحت به ثورة عرابى، والجالس على العرش هو فؤاد الذى عينوه سلطانا فملكا منذ سنوات لا تبلغ العشر.


وعلى هذا المسرح، وفى الخلفية منه عقدت سلسلة من المؤتمرات الإسلامية لمناقشة فكرة الخلافة والترويج لها، كل هذا تمهيدا لإعلان تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين.. وفجأة، وبينما الخليفة المرتقب ينتظر سقوط الثمرة فى فمه، والغرب بكامله يتطلع لملء الفراغ واستكمال سيطرته على البلدان الإسلامية من خلال سيطرته على هذا الخليفة، يصدر هذا الكتاب الذى كان أشبه بقنبلة موقوتة.. هذا الكتاب الذى انتهى فيه الشيخ على عبد الرازق إلى أن هذه الخلافة:
«ليس بنا حاجة إليها لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين».


وقد أجاد الرجل فى إيراد الأمثلة التى تؤكد أن الخلافة -بعد عهد الراشدين- إنما كانت تقوم بالقوة والقهر، فروى مثلا قصة معاوية وانتزاعه البيعة من بعده لابنه يزيد، فابتدع بذلك نظام «ولى العهد» المجافى لروح الشورى والديمقراطية الإسلامية، حين جلس وبجانبه ابنه يزيد وأجلس حوله كبار رجال الدولة، ثم وقف رجل يمسك سيفا وقال:
(هذا أمير المؤمنين «وأشار إلى معاوية»، فإن هلك فهذا «وأشار إلى يزيد»، فمَن أبَى فهذا «وأشار إلى السيف»)
وروى كيف استباح يزيد دم الحسين حفيد النبى؛ ليستقر فى الخلافة، وكيف سمى أول الخلفاء العباسيين «بالسفاح» لكثرة ما كان يسفك من دماء المسلمين.


وساق دليلا آخر على أن الخلافة كانت حكما استبداديا غاشما، وهو أن العرب والمسلمين طيلة هذه القرون الطويلة برزوا وتفوقوا فى كل أنواع العلوم والفنون ما عدا علم «السياسة».. لماذا؟.. لأن علم السياسة لا يختفى من الوجود إلا إذا كان الحكم استبداديا تعسفيا مطلقا.


بعد كل هذا نستطيع أن نقطع بثقة، أن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبد الرازق –رغم ما فيه من بعض الأخطاء والهنات الخطيرة– جاء سهمًا مصوبًا ضد العرش المصرى وملكه المستبد، وذلك الاستئثار بالسلطة ضد دستور 1923 وضد حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول وضد مجلس النواب الذى انتخب فى 12 مارس 1925، وفاز فيه الوفد بأغلبية ساحقة رغم الضغط والتزوير، فأصدر الملك قرارًا بحل هذا المجلس فى 23 مارس 1925 أى فى نفس اليوم الذى افتتحه فيه!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...