لماذا لم يحدّد القرآن أو السنة نظام الحكم؟

نضال ممدوح 



لماذا لم يحدّد القرآن أو السنة نظام الحكم؟



على الرغم من اختلافه الجِذرى مع أفكارهم فإنه اشتهر بلقب «قاضى البراءة» وذلك على خلفية قضية جماعة الجهاد التى نظرها عام 1984، وبرَّأهم فيها، مستندًا فى حكمه إلى ضعف تحريات الشرطة وعدم اقتناعه بتقرير مصلحة الأدلة الجنائية وتعذيبهم الوحشى على يد جهاز أمن الدولة، لحملهم قسرًا على الاعتراف بما لم يفعلوه، وأثبت أن ما قُدِّم إلى هيئته لا يرقى إلى مستوى الأدلة القانونية التى تدين بريئًا، إلا أنه لم يسلم من دعاوى التكفير والتحريض على قتله، إنه المستشار محمد سعيد العشماوى، مؤلف كتاب «الإسلام السياسى» الصادر عن دار ابن سينا للنشر، بل وتوجهت لجنة من مجمع البحوث الإسلامية بتاريخ 7 يناير 1992 إلى مقر دار سينا للنشر بمعرض الكتاب، وحررت محضرا أُثبت فيه التحفظ على كتاب الإسلام السياسى ومعه أربعة كتب أخرى للمؤلف لمصادرتها، ويعتبر المستشار العشماوى أول مَن أطلق مصطلح «الإسلام السياسى» بعدما لاحظ استشراء وتفشّى خطر ظاهرة الجماعات المتطرفة ورفعها شعارات حاكمية الله والجهاد، والجهاد فريضة غائبة والقومية الإسلامية التى كانوا ينقدون بها الوطنية المصرية وأى انتماء إلى أى بلد عربى أو إسلامى، فكتب بحوثًا جمعها فى كتابه الإسلامى السياسى تتعرَّض بالنقد لكل أقاويل جماعات الإسلام السياسى بتأكيد الفصل بين الدين والسياسة، على اعتبار أن غاية الدين تتعارض مع أسلوب السياسة، وهو أمر ثبت وتأكد فى ما بعدَ، وحسب العشماوى فى توطئته للكتاب: «أن تسييس الدين أو تديين السياسة لا يكون إلا عملاً من أعمال الفُجَّار الأشرار، أو عملاً من أعمال الجهال غير المبصرين».


تناول الكتاب أربعة محاور رئيسية هى:
ـ حاكمية الله: من أكثر المفاهيم المحورية التى أسهمت فى التوجيه الفكرى والحركى لكثير من التيارات الإسلامية وفيه يعرج إلى الواقعة التاريخية التى رفعت فيها المصاحف بين جيشَى علِى بن أبى طالب ومعاوية ابن أبى سفيان والخديعة التى تعرض لها علِى بمقولة «لا حكم إلا لله» والذى رفع فى خصومة سياسية وبنهج الساسة وأسلوب الطغاة، وأن الحكم لله بمعنى الحكم بالمشيئة والقوة والقضاء، بينما الحكم للناس والبشر فى الحياة الدنيا بمعنى الحقيقة والواقع والإرادة وإنما يراد برفع شعار الحاكمية لله من قبل المتأسلمين وعلى رأسهم الإخوان المسلمون والجماعات التكفيرية بغرض الجدل السياسى وطريق للوصول إلى الحكم، وبيّن العشماوى أن شعار لا حكم إلا لله الذى رفعه «الخوارج» والذى يمكن إطلاقه ليس فقط على الفرقة التى خرجت على علِى بن أبى طالب، وإنما هى أصدق تعبير لمن خرج بذاته على روح الدين وشريعة الإسلام، ثم يعرج العشماوى إلى تتبع فكرة «حاكمية الله» تاريخيا، ويكشف عن أنها فكرة لا علاقة لها بالقرآن أو السنة النبوية إنما بدأ منشأها فى مصر القديمة، حيث كان الحاكم الفرعونى صورة الله على الأرض، وحينما كانت تصدر أحكامًا بالإعدام ترفع إليه، وبصفته اللاهوتية يكون له الحق فى سلب الحياة من أى فرد من رعاياه، وعندما كان الفرعون يصدق على الحكم كان هذا الحكم بالمعنى الحرفى «حكم الله» ويعد تنفيذه تنفيذًا لحكم الله، من هذه الفكرة لدى المصرى القديم عن لاهوتية الفرعون كانت أحكامه القضائية والسياسية على حد سواء تعد أحكام الله وكانت الشرعية الدينية والقانونية للحاكم الفرعون وحده دون سواه.


ثم تسربت الفكرة إلى أوروبا فى العصور الوسطى عندما برر رجال الدين والفلاسفة استبداد الحكام وطغيانهم، فالملك أو الأمير أو أيًّا كان لقبه إنما هو ظل الله فى الأرض، وله حق مقدس فى الحكم، وأحكامه وقراراته تكون إلهية بالمعنى الحرفى أو المجازى سواء بسواء.


دخلت فكرة الحاكمية المدمرة إلى الفكر الإسلامى على يد الخوارج ثم تلقفها الخلفاء الأمويون والعباسيون ورددوها لتصبح جزءا من الفهم الإسلامى فتخدمهم فى أغراضهم وتوطد سلطانهم وتبرر لهم مظالمهم وتحقق استعباد الناس من دون الله، وكان تدشين الاستبداد والطغيان السياسى بتسييس الدين مع مقولة معاوية ابن أبى سفيان: «الأرض لله وأنا خليفة الله، فما أخذت فلى وما تركته للناس بفضل منى»، وتتجلى المغالطة فى اعتباره نفسه خليفة الله وليس خليفة لخليفة خليفة خليفة رسول الله، كما هو الأصل من استعمال لفظ الخليفة بما يعنى خلافة شخص لسلفه ولمن سبقه فى الزمن أو الترتيب.


تلقف تيار اليمين المتأسلم المتطلع الطامع فى الحكم والسلطة فكرة «حاكمية الله»، ليزعم أنه يرغب فى أن يكون الحكم باسم الله أو أنه يعمل من أجل حاكمية الله، وفى حقيقة الأمر يفترون على الله الكذب ويخرجون على الإسلام باسم الإسلام، إنما يتمسحون بالشعارات ليوهمون الناس بأنهم يسعون إلى تحقيق حكم الله، بينما هم يقتلون ويتطلعون إلى الحكم والنفوذ، ليس تنفيذا لحاكمية الله إنما حاكميتهم هم، وهى الفكرة التى بلورها سيد قطب فى كتابه «معالم فى الطريق» وطرح فى إطار مواجهة ما يسميه بالجاهلية المعاصرة التى كانت تدعمها الدولة الوطنية فى مصر وما ترتب عليها من تكفير المجتمعات المدنية الحديثة.


ـ الجهاد فى الإسلام: وهو من أهم المرتكزات التى قامت عليها جماعات الإسلام السياسى للانطلاق بدعوتها ونشر أفكارها والانقلاب على المجتمع والنظام والحياة العامة فى كل عصر وفى كل أرض، فكان الجهاد المذكور فى القرآن والسنّة هو الوسيلة الشرعية التى استند إليها الأصوليون من أجل هدم الواقع الذى رفضوه واعتبروا أن الحرب ضد الآخرين غير المسلمين تنخرط فى إطار الجهاد المسموح شرعا، ولا يحق لأى شخص أن يطعن فى الجهاد أو ينهى عنه، ولذا فمن وجهة نظر جماعات الإسلام السياسى فإن الجهاد قائم ولا يمكن إزالته من الحياة أبدا، والغاية النهائية هى انتصار الإسلام وسيادته على كل العالم، وذلك كله رغم الضوابط الفقهية التى تحدد علاقة دار الإسلام مع دار الحرب والتى هى هنا بقية دول العالم، متغافلين عن قواعد وشروط الجهاد، ومحاولة جعل الجهاد شكلا من أشكال الإيمان اليقينى، وضبط النفس، ومجاهدة الواقع بالصلاح والتقوى، ما من مصدر فقهى يتناول بحث الجهاد وأحكامه إلا ويجعل أقدس أنواع الجهاد، كلمة حق عند سلطان جائر، إذن فكلمة الحق جهاد وأى جهاد، وأفضله الصدع بها أمام سلطان جائر، أما الجهاد بالمعنى الذى يعتنقه التكفيريون من قتل واغتيال ونسف وتدمير فهو خارج عن أصول ومعنى الجهاد الحقيقى المذكور فى القرآن، تقف وراءه تنظيمات تهدف للوصول إلى السلطة والحكم وليس تطبيق الشريعة وروح الدين، إن الجهاد لا يمكن أن يكون تحت أى ظرف من الظروف، وطبقا لأى تفسير عاقل سليم، قتلا أو اغتيالا أو نسفا أو تدميرا، وإن هذا الفهم الضال المضل لمعنى الجهاد وجعله قتلا من المسلم للمسلم، أو من المسلم لغيره على دين آخر، غيّر من الدعوى الإنسانية فجعل منها اتجاها لا إنسانيا.


ـ حقيقة شعار الإسلام دولة ودين: وفيه يوضح العشماوى أن عدم إشارة القرآن والسنة إلى نظام الحكم ومؤسسة الخلافة دلالة على أنّ الدولة الإسلاميّة أو الخلافة ليست واجبا دينيا، وأن الإسلام قد ترك للبشر حرية اختيار النظام السياسى الذى يلائم عصرهم، أما عبارة «الإسلام دين ودولة» فهى عبارة ببغاوية، لا أساس لها على الإطلاق فى العقيدة الإسلامية، ولا فى التاريخ الإسلامى، ففى القرآن إشارة إلى المسلمين بأنهم أمة، والأمة لفظ من أصل عبرى، يعنى القبيلة وقد رفع الإسلام معناه لتكون الرابطة بين أمة المسلمين، تقوم على الوشائج الروحية والمنساك المعتقدية والأخوة الإيمانية، بدلاً من رابطة الدم القبلية، وكان أعداء النبى يتصورون أنه ملك أو أنه يسعى إلى الملك، وهذا ما جاء عن لسان أبى سفيان عندما قال للعباس عم النبى يوم فتح مكة: «إن ملك ابن أخيك اليوم عظيم»، فرد عليه العباس قائلاً: «إنها النبوة وليست الملك»، غير أن أبا سفيان قال: أما هذه -يقصد النبوة- ففى نفسى منها شىء، أى أنه لا يعتقد فيها. ومثل أبو سفيان كثيرون، رأوا أن الإسلام مْلك، خصوصا أن الخلفاء والأمويين والعباسيين عززوا هذا المفهوم، وفى كل الولايات التى انفصلت عن السلطة المركزية كانت التسمية لها «إمارة» أو «سلطة» أو «مملكة»، لكن واحدة منها لم تتسم باسم «الدولة» أبدا. فلفظ الدولة لم يرد فى القرآن ولا معاجم اللغة العربية، الذى يوجد فى القرآن هو لفظ دْوَلة، قال تعالى: لكى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، بمعنى التداول، وصار يجرى على ألسنة بعض الناس عمن تدور له الدنيا، أى تعطيه الدنيا المال أو الأولاد أو السلطة، أن الزمان دال له، أو أن هذه الأيام هى دولته.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.