الإمام عبد الحليم محمود شيخ الأزهر وقطب الصوفية فى القرن العشرين

حاتم صادق



 الإمام عبد الحليم محمود شيخ الأزهر وقطب الصوفية فى القرن العشرين



يصادف اليوم 10 مايو، الذكرى المئة والخامسة لميلاد شيخ الأزهر، قطب الصوفية وإمام الصوفيين فى القرن العشرين الدكتور عبد الحليم محمود الذى تولى وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر.


بدأ حياته بالتعمق فى الفلسفة فى أثناء دراسته بباريس ثم تحول من الفلسفة إلى التصوف بعد أن استقر فى وعيه ووجدانه أن الصوفية هم أصدق السائرين فى طريق الله تعالى، خصوصا أن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.

ولعله كان شبيهًا فى ذلك تمامًا بأستاذه وإمامه أبى حامد الغزالى الذى خاض نفس التجربة، وتشابه المسار بينهما فى البداية وفى النهاية.


ولد الإمام عبد الحليم محمود يوم 10 مايو من عام 1910 بعزبة أبو أحمد بقرية السلام ببلبيس التابعة لمحافظة الشرقية ونشأ فى أسرة كريمة عُرفت بالتقوى والصلاح، وكان أبوه ممن تعلموا بالأزهر، لكنه لم يكمل تعليمه، مما أدى إلى أن عوض الأب ما لم يكمله بتعليم ابنه بالأزهر الشريف بعد أن حفظ القرآن وهو فى العاشرة من عمره ثم التحق بالأزهر عام 1923 وحصل على العالمية عام 1932 ثم سافر إلى باريس على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه وحصل على درجة الدكتوراه فى الفلسفة الإسلامية عن رسالته عن «الحارث المحاسبى» عام 1940 وعند عودته لمصر عمل مدرسًا لعلم النفس بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر وفى عام 1964 عين الدكتور عبد الحليم عميدًا لكلية أصول الدين وعضوًا ثم أمينًا لمجمع البحوث الإسلامية ثم وكيلًا للأزهر الشريف وفى عام 1970 عُين الإمام عبد الحليم محمود وزيرًا للأوقاف. وفى عام 1973 قرر الرئيس أنور السادات تعيين الإمام عبد الحليم محمود شيخًا للأزهر فى وقت الإعداد لحرب أكتوبر المجيدة.


عبد الحليم محمد مع عبد الناصر والسادات:

كان الإمام عبد الحليم محمود قد عاصر القانون الذى صدر فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر عام 1961 والذى توسع فى نشر التعليم المدنى بجامعة الأزهر وألغى جماعة كبار العلماء، وكان وقتها الشيخ عبد الحليم محمود يرتدى الزى المدنى، البدلة ورباط العنق، وتحول الشيخ إلى الزى الأزهرى بعد سماعه عبارة لعبد الناصر ينتقد فيها علماء الأزهر وقت إلغائه جماعة كبار العلماء قائلا:
«إنهم يُفتون الفتوى من أجل ديك يأكلونه».


وكرد فعل غاضب، قرر الشيخ عبد الحليم محمود أن يرتدى الزى الأزهرى، وكان ذلك بمثابة اعتراض منه على تهكم عبد الناصر على الدعاة، ولم يكتف بذلك، بل دعا كل زملائه للتمسك بزى الأزهر.


وتمر الأيام، وفى أغسطس من عام 1974 حينما قام الرئيس السادات بإصدار قرار جمهورى رقم «1098» بتنظيم شؤون الأزهر وتحديد مسؤولياته، وجعل الأزهر تابعًا لوزارة الأوقاف وشؤون الأزهر، مما يقلص مهام مشيخة الأزهر.. ومع احتمال حدوث صراع كبير بين الأوقاف والأزهر، هنا يحسم الإمام أمره ويتقدم باستقالته ويتغيب عن مكتبه ويرفض تقاضى راتبه وطلب تسوية معاشه.



وأحدث قرار استقالة الشيخ عبد الحليم محمود جدلا واسعًا فى وقتها، مما جعل أحد المحامين يرفع دعوى حسبة أمام محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف لوقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية.


ولم يجد الرئيس السادات بُدًّا من إلغاء هذا القرار، ليصدر قرارًا جديدًا ينص على:
«شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأى فى كل ما يتصل بالشؤون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه فى كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية فى الأزهر».

وتضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه فى الأسبقية قبل الوزراء مباشرة.


وللإمام أيضًا موقفه الواضح من تصديه لتعديلات قانون الأحوال الشخصية فى عهد السادات وهو ما عرف بقانون «جيهـان». وقد حاولت الدكتورة عائشة راتب تمرير هذا القانون  دون الرجوع إلى الأزهر، حيث حرصت على إقراره من مجلس الشعب على وجه السرعة، وكان هذا القانون قد تضمن قيودًا على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية.


ولما علم الإمام الأكبر بهذا القانون أصدر بيانا قويا حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام، وأرسله إلى جميع المسؤولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف، ولم ينتظر صدور القانون، بل وقف فى وجهه قبل أن يرى النور.


ومن مواقف الإمام الشجاعة والمستنيرة ما أبداه تجاه المحاكمات العسكرية لجماعة التكفير والهجرة، وكان رأيه أن المحكمة غير مؤهلة لتلك المهمة، وقال وقتها: «الفكر لا يواجه إلا بالفكر».


عبد الحليم محمود والتصوف:
أظن أنه فى كل الأحوال يظل الملمح الأكثر نصاعة وإشراقا فى حياة إمامنا الجليل، هو موقفه المعلن والواضح من التصوف، فقد كان الرجل منحازًا إلى هذا الاتجاه بعقله وقلبه ووجدانه وروحه وقلمه ولسانه.
وكثير من المتصوفة فى مصر، بل وفى العالم ينظرون إلى الرجل باعتباره قطبًا كبيرًا من أقطاب الصوفية.
فهو الصوفى الذى أطلق عليه ألقاب غزالى القرن العشرين‏،‏ والإمام العارف بالله، السابح دائمًا فى بحار الحب الإلهى.. الذى كانت رسالته فى الدكتوراه من السوربون موضوعها فى التصوف عن الحارث ابن أسد المحاسبى.


وهو المتحقق المتشرع الذى يضع حدا فاصلا بين التصوف الحق والتصوف المكذوب المصحوب بالدجل والشعوذة، ليبين المنهج الصوفى الصحيح وهو المنهج الإسلاميى..‏ فهو القائل فى كتابه «قضية التصوف»:
«التصوف لا يعدو أن يكون جهادًا عنيفًا ضد الرغبات ليصل الإنسان إلى السمو أو إلى الكمال الروحى، ليكون عارفًا بالله، وإن الذين يربطون بين التصوف من جانب أو الكرامات وخوارق العادات من جانب آخر كثيرون، ولكن التصوف ليس كرامات ولا خوارق للعادات».


وقد كان شيخنا عبد الحليم محمود هو أشهر من كتب عن رواد التصوف على مر العصور الإسلامية المختلفة حتى لقد قيل من بعد وفاته: مات الإمام العارف بالله أبو التصوف فى العصر الراهن لتسكن من بعده المطابع عن نشر تراثنا الصوفى‏.‏ فقد تناول الإمام سير وحياة أئمة التصوف العظام، كلٌّ فى كتاب مستقل بذاته، نذكر منها على سبيل المثال:
«إمام السائرين.. الحارث المحاسبى»، «أبو البركات أحمد الدرديرى»، «ذو النون المصرى»، «الفضيل بن عياض»،


«الإمام عبد الله بن المبارك»، «أبو بكر الشبلى»، «السيد أحمد البدوى»، «أبو مدين الغوث»، «أبو اليزيد البسطامى»، «سهل التسترى»، و«بشر الحافى».. ويمكن للقارئ أن يجد بسهولة تلك المؤلفات فى دار المعارف وبأسعار فى متناول الجميع.

وبعد رحلة مليئة بالكفاح والعطاء والمحبة، توفى الشيخ عبد الحليم محمود يوم 17 أكتوبر من عام 1978.
وفى رثائه، قال عنه الأستاذ الكبير/ خالد محمد خالد: «بالأمس رحل عن الدنيا رجل من الأخيار. رجل اتقى الله وآمن برسوله فآتاه الله كفلين من رحمته وجعل له نورًا يمشى به. كالأنفاس الطاهرة الهادئة والنسمات الوادعة فى صمته وصوته وجميع سمته. كان وفى السير على هذا الطريق غير ملقٍ بالَه لنقد الناقدين ولوم اللائمين. لم تكن له شخصيتان، بل شخصية واحدة اتسقت اتساقا باهرًا مع نور الشريعة والحقيقة معًا وكان يذكر كلما ذكر الإخلاص والطهر والتقى. ذلكم هو الإمام الأكبر عبد الحليم محمود».
وقال عنه الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومى: «لا يفارقك وأنت فى مجلس الإمام عبد الحليم محمود إحساسك أنك مع إنسان يعرف ربه وأنه بهذه المعرفة الحقيقية قد ارتفع إلى مستوى وضىء فأنت معه فى مكان واحد، ولكن شعورك يدعوك إلى أن ترى أنه فى السماء وأنك فى الأرض. هيبته تملأ مشاعرك وتواضعه يزيده لألاء ويزيدك إجلالا للعارفين بالله فتحاول أن تسمع منه ليعطيك مفضلا مأثرة السكوت الناطق أمام وجه مضىء الملامح طاهر القسمات تنطق أساريره المؤمنة بمعان لا تعرفها الأرض، لأن بوارقها الفاتنة تلوح فى الأفق الأعلى كما تلوح أشعة الشمس وضياء القمر، ومن الإنسان ما يتألق ويشع ويضىء مثل محمد عبده وعبد الحليم محمود».
وكتبت عنه الأستاذة سناء البيسى بأسلوبها السلس الرشيق: «فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة من لم يعرف الخصام إلى نفسه سبيلا‏،‏ ولا البغض إلى قلبه طريقا‏، ولم تعرف تصفية الحسابات إلى حياته بابا‏..‏ حليمًا ودودًا محبا سمحا مخلصا يجمع خصائص الأئمة من أصحاب الفكر المستنير الذين لا يموتون‏،‏ وإن توارت عنا أجسادهم فأعمالهم وعلمهم يذكرنا دومًا بهم ليحق فيه قول أحمد شوقيى:‏
والناس صنفان: موتى فى حياتهم
وآخرون ببطن الأرض أحياء
رحم الله الإمام عبد الحليم محمود.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...