نهاية مفتوحة لثورة لم تكتمل

سارة وصفي



 نهاية مفتوحة لثورة لم تكتمل



بعض النقاد صنفوا رواية «أجندة سيد الأهل» للروائى «أحمد صبرى أبو الفتوح»الصادرة فى طبعتها الثانية عن «دار ميريت» 2015، على أنها إحدى «روايات الثورة»، حيث إن الثورة موضوعها الأول، ولكن فى الحقيقة عند إمعان القراءة بها تجد أن ثورة 25 يناير هى الإطار الخارجى للنص فقط أو خط من أحد الخطوط يدور بداخله حكايات أخرى.


هناك اتجاهان يحكمان بنية الرواية الخارجية، أولهما بدأ مع بداية الثورة، حيث حدد الكاتب فيه الزمان، وهو الخميس 27 يناير 2011، والمكان فى القاهرة ومن داخل قبو مظلم فى أحد السجون، مشهد تعذيب لبعض السجناء على يد سجان يتقن القتل، انطلق الكاتب فى السرد مستخدمًا صوت الراوى العليم وضمير الغائب، بداية بذكر حال المعتقلين حين غفل عنهم الحراس مع أول شرارة للثورة «فلقد تركوهم دون أن يفتحوا عليهم القبو يومين كاملين، بلا طعام أو ماء، حتى اضطروا إلى تناول بقايا الطعام وأوشك البعض أن يشرب من جردل البول»، وكان من بين هؤلاء السجناء «رفاعة سيد الأهل» الذى أصبح تاجر مخدرات تحت ضغط الفقر وعندما خرج من السجن أراد أن ينتقم من كل فرد شارك فى ظلمه وتعذيبه، سلط الكاتب الضوء على «رفاعة» وجعله البطل الرئيسى فى هذا الخط من الرواية، حيث تتداخل معه مجموعة من الحكايات الأخرى، وعلى هامش مسيرة البطل، تظهر سيرة الثورة ولكن بعيون صناع الثورة المضادة والمأجورين، وظل الكاتب يسرد الأحداث ويتنقل فى الزمن بتتابع زمنى منطقى، مقسم لفصول تحت عناوين فرعية للتواريخ، بدءًا من 27 يناير ومروراً بـ25 يناير، الخميس 27 يناير، حتى يوم 2 فبراير.
واحتوى العمل أيضًا على خط آخر، مقسم لفصول، لا يربط بينهم أى رابط زمنى، كلهم موجودون فى حيز حياة «رفاعة» بشكل أو آخر، وفى هذا الخط يركز الكاتب بنية كل فصل على كل شخصية على حدة، بحيث تحمل عناوين تلك الفصول أسماء تلك الشخصيات المروى عنها، ويضع كل شخص منهم تحت ميكروسكوب الحكى ويسرد تاريخ حياته، ويرصد تطوره ويحلله، وتتقاطع الحكايات وتتقارب، فهناك مثلاً فصل بعنوان «عمار ابن ياسر (تايسون)» تتبع فى هذا الفصل حياة أقسى سجان فى السجن الذى يقبع فيه «رفاعة»، كيف تحول لسادى يحترف القتل؟ وهناك أيضًا حكاية «صفية الغمرينى» حبيبة البطل وصديقته التى لم تفقد الأمل فى خروجه من السجن، و«مجدى الحسينى» وهو من قام بالإشراف على تعذيب البطل داخل السجن.. وفى سرد كل هذه الحكايات ينوه الكاتب أنه لا وجود للشر المطلق أو الخير المطلق، فكلاهما نسبى، وكل إنسان يحمل بداخله النقيضين معًا.. فهذا الضابط الذى يحرص على أداء فروضه الدينية، هو نفسه من يعذب السجناء فى المعتقل، و«رفاعة» الذى يتاجر فى المخدرات يرفض أن يكون مخبرًا احترامًا لتاريخ والده النضالى، حتى المجرمون واللصوص لديهم مبرراتهم مثل الفقر أو نشأتهم غير السوية.


نجح الكاتب فى استخدام «آلية الصدفة» وتطويعها، فالصدفة جمعت شخصيات الرواية، وجعلت من الحكايات خيوطًا متداخلة بما يشبه الشبكة، وكلهم يربطهم القهر سواء الواقع عليهم أو الظلم الذى يمارسونه على من هم أضعف منهم، وجاءت نهاية الرواية فى يوم «موقعة الجمل» عندما كان الصراع على أشده ولم يحسم بعد، وبذلك استطاع أن يتلافى أخطاء الكتابة عن ثورة لم تكتمل، بنهاية حيادية مفتوحة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..