من «العقل» تبدأ «الثورة» الدينية

محمود العطار



 من «العقل» تبدأ «الثورة» الدينية



مثلما دمّرت حركة طالبان تمثال بوذا، دمر كذلك تنظيم داعش رموز الحضارة العراقية، يؤازرهما فى ذلك السلفيون بالتبعية.


والعداء بين المسلمين الجُدد والتماثيل، حتى وإن كانت مُنتجًا حضاريًّا، قديم قدم البعثة المحمدية، فهم ما زالوا أسرى تلك الحقبة التأسيسية التى اعتبرت التماثيل أصنامًا، ولم يبرحوها إلى آفاق ومعانى الحضارة.


السبب فى ذلك أنهم استبدلوا التراث بعقولهم، ولاسترجاع صورة الإسلام التى نعرفها ونأملها ما علينا إلا أن نعكس المعادلة، فنُبَدّل عقلنا بتراثنا كى ندرك أصل الدين وحقيقته التى أراد الله أن نحيا فى كنفها، والتى ستعكسها الصورة بالضرورة.


ذلك هو مدخلنا إلى الثورة الدينية الآتية، بإذن الله، والتى لن تتحقق إلا بإعادة تأسيس رؤيتنا للحياة وللكون من حولنا، ورؤيتنا لأنفسنا وللعقيدة التى نعتنقها، وتنبنى العقيدة بداية على معرفة الله الذى هو أصل الوجود والأشياء، فهو البارئ، وأولى الواجبات على المُكَلّف «النظر المؤدى إلى معرفة الله».


ومن الناحية العملية حتى نصل إلى هذا المنهج، علينا مخالفة الأقدمين فى ترتيب الأولويات المعرفية، فهم يرون أن دلائل المعرفة الدينية «الشرعية» تبدأ بالقرآن، فالسنة، ثم الإجماع... إلخ، وقد أغفل هؤلاء، أن الذى يحكم على معانى الأشياء، ويفهم مقاصدها، ويميز بين حقائقها وأباطيلها هو «العقل».


هذا الرأى ليس مستحدثاً، لكنه موجود فى التراث كذلك.. لدى فرقة «المُعتزلة» التى رتبت الأدلة «الشرعية» بدءًا من العقل فالقرآن، ثم السنة الصحيحة، عقلاً ونقلاً، فالعقل عندهم «وكيل الله لدى الإنسان» وهو المنوط به العلم، لذلك لا تكليف دينيًّا ولا عقائديًّا على غير العاقل، إذ فطر الله الإنسان وهيأه وركّبه على هذا النحو من التعقل، لمعرفته أولاً ثم عبادته، وهو ما يُعرف فى أدبياتهم بـ«الشرعية العقلية»، ولم يكن الوحى إلا تبيانًا وتفصيلاً لما رُكّب فى العقل البشرى «الفطرى»، فتكون الهدايا عن طريق العقل والوحى معًا، بهذا التلاحم يصير العلم بالله والإيمان به نابعًا من الذات، يقينى مُتثبت، غير خاضع لرؤية شخص آخر.


وإذا نظرنا فى علاقة الحياة بالأديان، سنجد أولاً: إن الله خلق الإنسان العاقل قبل أن يبعث إليه بالرُسل، فالعقل سابق على الوحى فى الخلق، وبالتالى فهو مُقدم عليه فى المعرفة، ثم نكتشف ثانيًا: إن الإنسان بدأ رحلة البحث عن إله منذ وجوده على الأرض، وهو ما يُسمى «غريزة الاعتقاد»، وقد استخدم عقله لمعرفة حقيقة الأشياء من حوله، وعلى رأسها الإله، وقد تقرب إليه بطرق عدة، من ضمنها الأصنام، حتى جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكسرها وعرف الله بعقله! تأمل المشهد فى الآيات «74-79من سورة الأنعام» فالخليل مارس «التجريد العقلى» حتى وصل إلى «المطلق» وهو الله.


وإذا كان البعض تؤرقه دعوة «إعمال العقل فى الدين والعقيدة» فعليه أولاً أن يثق فى قدرته على الإيمان بالله بمعزل عن أى إنسان آخر.. ثم عليه أن يفرق بين من يستخدم عقله لمعرفة اللطيف الخبير، وإثبات وجوده وصفاته وأفعاله، ومن يستخدمه لإنكار الألوهية، وبين من يُعمله فى النص الدينى لكشف أضوائه، ومن يُجدف بآيات الله، وبين من يقدس، بلا عقل، أقوال البشر حتى لو أساءت إلى النبى الكريم أو الله، تعالت ذاته، وبين من يُحَكّمه لتنزيه الله ورسوله.


أما عن التماثيل وشرعيتها، فإذا أعملنا العقل فى تلك المسألة بعد هذا التراكم التاريخى المضاف إلى حياتنا، وبعدما أوكل الله الإنسان إلى عقله وكتابه مع انقطاع الوحى، واكتمال مرحلة تأسيس عقيدة التوحيد، بدءًا من إبراهيم انتهاء بـ «محمد صلى الله عليه وسلم».. «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا» فلن نجد بين المسلمين من يعبد التماثيل إلا بعض العرب، فى القرن الـ19 بشرق الجزيرة العربية، عادوا لعبادة المحسوسات، مما أدى إلى ظهور الدعوة الوهابية، لذا تشدد المذهب حيال الأضرحة والمقامات.


والمُلاحظ أن تلك المنطقة كانت نائية آنذاك.. لا ترتكز على حضارات قديمة، ولم تصلها المدنية الحديثة، وبالتالى لم يُصبها التطور.. معنى ذلك أن المدنية التى طالت بقية بلاد المسلمين حالت دون عبادة مثل هذه الأشياء.. فأنت يمكن أن تُعجب بتمثال أو لوحة فنية لكنك لن تعبد أيًّا منهما، بل ستطلق صيحة الإعجاب «الله» فإذا بالشرك ينقلب إلى إيمان مُصفى! أو إذا تأملنا الرموز الحضارية كمعتقدات لأمم أخرى لا تنال من عقيدتنا، لكنها عبرة ومدخل للتفكر فى مسيرة الإنسان مع الأديان،
وإذا ذُكرت المدنية والتحضر، فلا بد من حضور العقل فى المشهد؛ لأن غيابه سمح بعبادة ما يَفنى، وغيابه شرَّع لأولئك نهْج العداوة تجاه الآخر.


والخلاصة أن «العقل» الذى وهبه الله للإنسان، و«الوحى» الذى خاطب الله به هذا العقل هما البديل عن التراث، وقد بين الله هذا المعنى فى قوله تعالى «وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون».


فاتباع الآباء، رغم إسلامهم، لا يضمن لى صحة فهمهم للدين فى مساره التاريخى، إذ يتناقله البشر عبر الأجيال، وغالبًا ما يتم الانحراف فى العقائد والأديان أثناء هذا التناول؛ لأنه قد يخضع للأهواء والأغراض، فضلًا عن أن فهمنا العقائدى والدينى سيظل محصورًا فى زمانهم وبيئتهم ورؤيتهم، لذا أرشدنا المولى إلى الطريق «ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور» والمقصود بالعروة الوثقى «التزاوج» بين العقل والوحى وصولاً لهذا النوع من «اللُحمة الإيمانية» النابع من الذات العاقلة، إيمان غير متزعزع، لا تابع أو مُقلد للسابقين فى رؤيتهم ومناهجهم التى انحرفت عن سلامة الاعتقاد وصحيح الدين، فأساءت إلى الإسلام بتشويه عقل المسلم، وتعمل على تدمير الحضارة الإنسانية التى لا تخلو من القيم الإسلامية.



أقرأ أيضا

فن

غاب القمر

في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.
البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...