طارق بن زياد لم يحرق السفن




 طارق بن زياد لم يحرق السفن



لم تحظَ قضية من قضايا التاريخ الإسلامى الأندلسى باهتمام المؤرخين واختلافهم، وجنوح بعضهم - فى ثقة واطمئنان – إلى الرأى المثبت، وجنوح آخرين – فى ثقة مماثلة – إلى الرأى المنفى، مثلما حظيت قضية إحراق طارق بن زياد للسفن، التى عبر عليها جنوده إبان فتحه إسبانيا عام 92هـ/711م، هذه القضية تناول كتاب «إحراق طارق بن زياد للسفن أسطورة لا تاريخ» الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع للدكتور «عبد الحليم عويس».


يعرض الكتاب لشخصية «طارق بن زياد» ومسألة إسلامه وفتحه الأندلس، وهو أسلم على يد موسى بن نصير وحسن إسلامه، وحفظ القرآن الكريم ودرس الفقه، وفى نفس الوقت كان فارسًا مغوارًا وقائدًا محنكًا، وقاد الجيش تحت إمرة موسى بن نصير، حتى وصل إلى طنجة فى أقصى بلاد المغرب، فتولى إمرة طنجة، وظل يجمع الجيوش ويتتبع الأخبار، ويرسل العيون، حتى وجد الفرصة لدخول الأندلس، فأشار على موسى بن نصير بفتحها.


وقد توجه طارق بجيشه إلى الجبل الذى عرف باسمه فيما بعد وقضى على المقاومة التى واجهته وفتح حصن «قرطاجة» الذى كان فى سفح هذا الجبل، وبدأ طارق بسط سلطانه على الأماكن المجاورة لجبل طارق، وهنا أخبر حاكم الإقليم لذريق «الحاكم القوطى»، الذى كان مشغولاً بإخماد ثورة فى الشمال بما يحدث فى الجنوب، فأدرك مدى الخطر الذى يهدد ملكه بالزوال، فأسرع وأرسل جيشًا إلى طارق كى يتصدى له، ويوقف تقدمه.


 وكانت وحدات الجيش تصل تباعًا فى فرق كبيرة، وكان طارق يلتقى بها ويقضى عليها، وقد استطاع الحاكم القوطى لذريق أن يجمع جيشًا يقترب من مئة ألف جند، إلا أن طارق انتصر عليه وفتح الأندلس، ويشير عدد من المصادر المشكوك فيها إلى مسألة حرق طارق للسفن التى أتى بها إلى إسبانيا حتى لا يهرب المسلمون من هول المعركة، حيث اشتهرت رواية حرق السفن، وتناقلها الناس كثيرًا، ولكن عند إخضاعها للتدقيق والتمحيص يتبين أنها ليست إلا أسطورة وضعها القصّاص بهدف الإثارة والتشويق، وقد استندوا لخطبة منسوبة لطارق بن زياد يقول فيها: «أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم، وليس لكم -والله- إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم فى هذه الجزيرة أضيع من الأيتام فى مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيوشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدى عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمرًا، ذهبت ريحكم، وتعودت القلوب على رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإنى لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطة أرخص متاعًا فيها للنفوس، أبدأ بنفسى، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسى، فما حظكم فيه بأوفى من حظى».


ويرصد الكتاب زعم بعض المؤرخين -من غير الثقات- أن موسى بن نصير كان ينظر بعين الحسد والغيرة إلى مولاه طارق منذ المراحل الأولى من فتح الأندلس، وقد كان يريد أن يستولى على حصة الأسد من الغنائم التى حصل عليها جيش طارق، بعدما يدفع نصيبًا إلى بيت المال، وأما طارق فقد كان يريد على العكس من ذلك؛ دفع الخمس الذى ينص عليه القرآن إلى بيت المال، وتوزيع ما بقى من الغنائم على الجند، وقد بلغ النزاع بين القائدين درجة رأى معها الخليفة استدعاءهما إلى دمشق ليحسم الخلاف بنفسه، ولم تذكر المصادر التى أرخت لتلك الواقعة وفتح الأندلس أن طارق بن زياد قام بحرق السفن التى أتى بها المسلمون إلى الأندلس.


ويفند الكتاب أسطورة قصة حرق طارق بن زياد للسفن بقوله: «لم يشر إلى قصة إحراق السفن هذه أحد من المؤرّخين القدماء، سواء من المدرسة التاريخية المصرية التى أرّخت للأندلس خلال القرن الثالث الهجرى وهى مدرسة ابن عبد الحكم المؤرخ المصرى، صاحب كتاب «فتوح مصر والمغرب والأندلس» وعبد الملك بن حبيب الذى عاش فى مصر، وإن كان أندلسى الأصل، وصاحب كتاب «مبتدأ خلق الدنيا»، أم من المدرسة التاريخية الأندلسية التى ظهرت فى القرن الرابع، وهى مدرسة أبى بكر محمد القرطبى المعروف بابن القوطية»، ومع ظهور المدرسة المغربية والأندلسية المتميّزة والمستوعبة، فإنه لم يظهر فى تراثها أثر القصة إحراق السفن التى نسبت إلى طارق بن زياد فى فتحه للأندلس.


يذكر الكتاب أن مصادر القرن السادس للهجرة – المعاصرة - للإدريسى وابن الكردبوس القائلين بقصة الإحراق - لم تورد هذه القصة أيضًا – فلم تظهر القصة عند ابن بسّام صاحب «الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة» ولا عند ابن بشكوال صاحب «الفهرست»، كما أن القصة لم تظهر عند لاحقيهم من مؤرّخى القرن السابع، فهل يمكن أن يتجاهل جميع هؤلاء المؤرخين المغاربة الأندلسيين - خلال هذه القرون- قصة هذا شأنها فى تاريخهم؟.



أقرأ أيضا