رواية عن الحب والإسكندرية وغدر الرجال

احمد مجدي همام



رواية عن الحب والإسكندرية وغدر الرجال



تشتغل أمانى خليل فى روايتها «الوهج» الصادرة من «روافد» للنشر، على تاريخ الإسكندرية منذ ثلاثينيات القرن الماضى، وحتى اللحظة، بالتوازى مع اشتغالها على نفسيات أبطال العمل، خصوصًا الثنائى «ريم وهالة»، حيث تمثل كل واحدة منهما بعدًا نفسيًّا مختلفًا، وبوجودهما متجاورتين تكتمل صورة المرأة بين وضعيها الشهيرين: الأم المستكينة المستسلمة المحافظة على بيتها وزوجها، فى مقابل المرأة المتحررة المستقلة القائدة التى أثبتت تفوقها على عشرات الرجال.


تقدم أمانى خليل حكايتها على ألسنة عدة رُواة، حيث يتناقل صوت الحَكى بين ريم وهالة والراوى العليم، كما يستلم صوت الحكى أحيانًا «حسام» زوج «ريم»، أو «باهر» مصمم الديكور الاستثنائى واللافت للنظر.


وعبر تلك الأصوات المختلفة، تسرد «الوهج» وقائع سكندرية منذ العصر الكوزموبوليتانى، فى النصف الأول من القرن المنصرم، حيث تتجلى شخصيات مثل «نانى» الأرمينية، و«بيترو» الإيطالى، وغيرهما، مرورًا بعصر الانفتاح الساداتى، وصولا للحقبة المُباركية وانتهاءً بالسنوات القريبة الماضية، وبالتوازى مع انحدار حال المدينة وارتفاع المد الدينى فيها، نتعرف إلى ريم، البريئة والرقيقة المتزوجة من طبيب شاب وسيم، اختارها بعد أن قارنها بصديقتها هالة التى تبدو حيوية وجامحة وغير قابلة للخضوع لأى سيطرة، وبالمثل نتعرف إلى هالة التى اختارت أن تستقل عن والدها الضابط المتقاعد، والذى تشرَّبت منه الصرامة العسكرية والمقدرة على إدارة الأزمات، ومن ثم استطاعت أن تترقى فى عملها إلى أن تمكنت من السيطرة على شركة السياحة التى كانت تعمل بها، وقررت توسيع أنشطتها لتشمل السياحة الدينية والسياحة الداخلية. أما باهر، فهو مصمم الديكور الذى اختار التشبث بالهوية القديمة للمدينة المتوسطية، واحتفظ بالفيلا التى ورثها، رافضًا إغراءات المقاولين ومتجاهلا تهديداتهم بإغراق أساسات الفيلا ليهدموها ويحولوها إلى برج آخر يشوه أفق المدينة المطلة على البحر.


التشرنق، والاغتراب داخل الذات، والشرود ربما فى عالم الأحلام، كل تلك ملامح عامة من العمل، تقدمها الروائية متجسدة فى شخصية ريم، التى تعانى من ذبول ما يعصف بروحها «أحيانًا كانت تطاردها كوابيس الظهيرة، صورة سناء، أو مناجاة من أبيها فى سجن يشبه جوانتانامو لمعتقلى الحروب العرب، وفاة كريم فى حادث سيارة، ومشاهد فاحشة بين هالة وحسام. اللعنة هل يتركها حسام من أجل هالة فى يوم ما؟ ليتها تختفى هى الأخرى.. ليتها تلحق بسناء.. ليس من العدل أن تفقد المرأة رجلها من أجل صديقتها أبدًا. هكذا تحدث ريم نفسها وتطمئن هواجسها!»، وبالمثل كان حضور الرجل فى العمل لا يمثل إلا الخذلان وخيبة الأمل، فبين الأب الهارب، والزوج المنفصل عن ريم نفسيًّا، لم يحضر نموذج رجالى استطاع أن يملأ الحيز الذى عليه أن يملأه ليرضى قلب ريم.


يلحظ القارئ تراوحًا فى لغة الحوار بين الفصحى والعامية، وهو الأمر الذى قد يسبب نوعًا من الارتباك للمتلقى، إذ لا ضرورة فعلية للتخلى عن الحوار العامى، إلا فى حالة كون الحديث على لسان واحد من أجانب الإسكندرية ممن لا يتقنون العامية، هذه المراوحة سببت نوعًا من «الزغللة» فى تلقى الشخصيات، إن جاز الوصف، ويتواكب ذلك مع الانقطاعات الفجائية لصوت الراوى، وانتقاله إلى راوٍ آخر، الأمر الذى ربما يسبب المزيد من الارتباك. ولا ينقذ القارئ منه سوى تنبهه للمعلومات التى تتدفق على لسان المتكلم ليستطيع تمييز صاحب الصوت.


«الوهج» رواية تشتبك بالتاريخ، بالطبقات المتراكمة فى النفس البشرية، وبفضاء مكانى آسر هو مدينة الإسكندرية، وبين هذه الأركان الثلاثة هناك عالم كامل يطرح تساؤلاته وعلامات استفهامه، دون إجابة شافية، إذ لا تحاول الروائية هنا تقمص دور المُصلح الاجتماعى أو الواعظ، بقدر ما تسعى لرسم صورة انطباعية عن وهَج التمع فى مكان ما وخبا.



أقرأ أيضا