التبرؤ من الفقر لا يفيد!




التبرؤ من الفقر لا يفيد!



ربما قصد اللواء ممدوح شعبان، رئيس جمعية الأورمان، بتصريحه الذى أطلقه، يوم الأربعاء الماضى، أمام الرئيس السيسى، خلال وقائع مؤتمر الشباب الخامس، بعدم وجود فقراء فى مصر، ربما قصد من ذلك «ترضية» الرئيس وتطمينه، وبث حالة من الروح الإيجابية بين عشرات الحاضرين فى ذلك المؤتمر، وملايين المشاهدين خارجه، وربما قصد أيضا صك تعريف جديد للفقر، بحيث يكون الفقير، حسب تعريفه الخاص، هو ذلك الشخص الذى تزول عنه صفة الفقر بمجرد حصوله على كرتونة بها بعض السلع التموينية، أو كيلو من اللحوم الطازجة، أو بطانية، أو سقف لبيته يقيه الحر والبرد، أو دورة مياه، أو غير ذلك من وسائل ومساعدات تكفلها تلك الجمعية للفقراء والمحتاجين فى مصر، ربما قصد الرجل ذلك، أو غير ذلك مما يستأثر به فى نفسه، لكنه على أى حال قد زل لسانه، فلم يستطع التعبير عما يقصده جيدا، الأمر الذى جعل تصريحه ذلك مثار انتقادات واسعة طوال الأيام الماضية، على الرغم من أن بعض الصحف الموالية للدولة حاولت التهوين من ذلك التصريح، واتهام المعترضين عليه باقتطاع كلام الرجل من سياقه، والتربص به!

لا ينكر أحد، مهما كان موقعه ومهما كانت توجهاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أن الفقر فى مصر أمّ المشكلات، فبحسب أرقام وإحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء -وهو جهاز حكومى- فإن ثمة نحو 28% من سكان مصر يقعون تحت خط الفقر، أى ما يُقدر بنحو 30 مليون مواطن، إذ إن المواطن الذى يحصل على دخل يقل عن 482 جنيها شهريا، أو ما يعادل 5788 جنيها سنويا، هو ذلك المواطن الذى يُعد -حسب إحصائيات الحكومة لعام 2015- فقيرا، وإذا نحن وضعنا فى الاعتبار أن ذلك المواطن قد مر ولما يزل، بتجربة تعويم الجنيه وتحرير صرف العملة الأجنبية، سندرك -وجوبا- أن نسبة الـ28% تلك قد ارتفعت إلى حد كبير؛ لأنه وبكل بساطة لم يعُد لمبلغ الـ482 جنيها قيمته التى كانت فى عام 2015، فالدولار أصبح الآن يلامس حدود الـ18 جنيها، والقيمة الشرائية لذلك المبلغ قد تقلصت إلى النصف تقريبا بعد انهيار الجنيه، وهو ما يعنى أن مشكلة الفقر فى مصر تتضخم باستمرار، ولا سيما مع وجود زيادة سكانية متنامية (ارتفع عدد السكان إلى 104 ملايين نسمة فى عام 2017، ويُتوقع أن يصل العدد إلى نحو 140 مليون نسمة فى عام 2030)، لم تقدم الدولة لها حتى الآن خطة علمية لكبح جماحها، وهذا بالطبع بخلاف المواطنين المتعطلين عن العمل، وهم الذين تقدرهم الإحصائيات الرسمية بنحو 3.4 مليون شخص!
ولا ينكر أحد، أيضا، أن السيد اللواء ممدوح شعبان، وهو بالمناسبة ملتحٍ وله سمت سلفى بائن جدا، رجل مخلص فى عمل الخير والدعوة إليه؛ فقد وثبت جمعية الأورمان تحت رئاسته وثبات ممتازة نحو تنمية مواردها المالية، من خلال جهود أعضائها فى جمع التبرعات وأموال الصدقات والزكوات، حتى إنه فى آخر ثلاث سنوات فقط، بلغ حجم التبرعات التى تتلقاها الجمعية نحو مليار جنيه، وهو بالطبع مبلغ كبير للغاية، ويشى بجهود طيبة لرئيس تلك الجمعية ورجالاتها، الأمر الذى جعل الرئيس السيسى، نفسه، حريصا على اصطحاب اللواء شعبان معه فى غير مناسبة، وإعطاء أوامره بتسهيل أى مهمة له وللجمعية، ودفعه إلى عرْض جهود الجمعية الخيرية فى أعمال الخير ومساعدة المحتاجين، ولعل ذلك كله هو ما حدا بالرجل إلى رد الجميل للرئيس السيسى بتصريحه بعدم وجود فقراء فى مصر، وهو أمر قد يكون محمودًا من الرجل، لكنه على أرض الواقع بخلاف ذلك؛ لأن محاولات «الترضية»، و«تجميل» الأمر الواقع، لن يفيد فى شىء، خصوصا مع توالى دخول المواطن الفقير، محدود الدخل، فى حلقات جهنمية من الفقر والعوز بسبب عدم وجود موارد مالية له، أو بسبب قلة وثبات دخله، بينما أسعار السلع والخدمات كلها تزداد يوما بعد يوم!
نرجو أن نضع نقطة بعد تصريحات اللواء ممدوح شعبان، ونحاول أن نبدأ من أول السطر بعيدا عن تلك التصريحات التى زل فيها لسانه أو خانه التعبير فيها، والبداية التى نرجو أن نلتفت إليها أبعد وأعمق بكثير من تصريحات اللواء شعبان؛ فهى تتعلق ببرنامج الإصلاح الاقتصادى الذى تتبناه الدولة، وما تفتأ تبشر بثماره الطيبة، ومما يُعجب منه أن الفقر يزيد على الرغم من تلك البشارات التى تسوقها الدولة على لسان مسؤوليها، لأن الدولة تعتمد على لغة الأرقام والنسَب والمؤشرات الاقتصادية الكلية التى تؤكد ارتفاع معدلات النمو الاقتصادى، لكن الأمر جد مختلف على أرض الواقع، فالمواطنون محدودو الدخل يقاسون باستمرار من الزيادات المتوالية المطردة فى أسعار السلع والخدمات كلها، الأمر الذى يجعلنا نتساءل عن جدوى برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى تصر الدولة على المُضى فيه مهما بلغت آثاره السلبية!
وثمة أمر آخر نحاول أن يكون بداية نلتفت إليها بعيدا عن تصريحات اللواء ممدوح شعبان، وهو وضع تعريف أكثر شمولية وعلمية لمصطلح الفقر؛ ولعل ذلك التعريف الذى نحاول وضعه يعطى مزيدا من الاهتمام لمسألة الفرص القليلة أو النادرة للمواطنين، فنقص الفرص والخيارات أمام المواطنين هو فى حد ذاته وجه آخر من وجوه الفقر، فالفقير ليس هو الذى لا يتناسب دخله مع ما ينفقه فقط، وليس هو الذى لا يجد بالأساس ما ينفقه لعدم وجود دخل له، بل إن الفقير أيضا هو الذى لا يجد فرصة أو خيارا أو دعما من الدولة، ولعل ذلك هو ما حدا بالدولة إلى تشجيع مبادرات التبرع وجمع الصدقات والزكوات من خلال الجمعيات الخيرية!
لقد تناسى كثيرون فى خضم تصريحات اللواء شعبان المثيرة للجدل مسألة مسؤولية الدولة عن الفقر، ووجوب ارتباط النمو الاقتصادى بسياسات محكمَة تهدف، فى المقام الأول، إلى تحقيق العدالة الاجتماعية للحد من تنامى الفقر فى البلاد عاما بعد عام، ووجوب وضع سياسات إنتاجية تدفع عجلة الإنتاج وتلتئم آلاف الأعداد من المتعطلين عن العمل، وكذا وجوب وضع سياسات علمية لمكافحة المسألة السكانية التى تمثل عبئا عظيما على الدولة، وغير ذلك من سياسات واستراتيجيات يعرفها أهل الاختصاص، كتعزيز منظومة حماية المستهلك، ومكافحة الفساد.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...