خلق القرآن.. فى 6 أيام أم 8 خلق الكون؟

عصام الزهيري



خلق القرآن.. فى 6 أيام أم 8 خلق الكون؟



يقول تعالى :«وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ» (ق- 38).

لا يتسم تعامل الأصوليين مع آيات القرآن الكريم بميسم الاقتصار المزرى على ترديد مقولات المفسرين القدماء واجتهادات الشراح الأوائل دون بذل جهد فى كسب أو إضافة معرفية جديدة، تبعد بنا عن أوهام وخرافات وتخيلات ما يسمى الإعجاز العلمى، وترتكز فى نفس الوقت على تراكم المحصول البشرى من المعارف والفلسفات، لكن الأسوأ فى غياب ذلك هو أن يتسم تعاملهم مع القرآن بالاستسهال والغفلة والمرور على الألفاظ والمعانى والدلالات مرورًا عابرًا منزلقًا على السطح لا يتوخى التعمق ولا يتوقف أمام مشكلات القراءة حرصًا على اتساق المعانى الجزئية واندراجها فى سياق المعانى الكلية والأسس العقَدية الثابتة، وهو ما لا يمكن وصفه بغير الاستهانة بالثوابت، تلك التى يجعل منها أصحاب العقول الجامدة والقرائح المنغلقة والنزعات التكفيرية فرصة لتبديع وتكفير كل مَن مارس الاجتهاد والتجديد والاختلاف.
الدليل من الآية التى تشكل مع غيرها ما يمكن وصفه بنظرية للخلق فى القرآن أن المفسر الأصولى دائمًا ما يقتصر على تنبيه قارئه إلى اختلاف الآية مع الوارد فى التوراة، رغم أن التوراة تنص بدورها على الخلق فى ستة أيام، فى ما يدور الاختلاف فقط حول أن الله لا يستريح فى اليوم السابع. يكتفى الأصوليون بتنزيه الله فى الآية عن هذه الاستراحة التى تنتج عن التعب والإعياء و«اللغوب»، فى ما يتناسون الأهم وهو ضرورة تنزيه الله عن النسبية والمحدودية والزمان والمكان، فالله فى كل عقائد أديان التوحيد مطلق متعالٍ فوق الخلق والمخلوقات، ومفهوم أنه لا يلزمه زمان ولا يحده مكان فهو منزه عنهما، وتنزيهه عنهما هو من لزوم كل تنزيه له بالضرورة. وهذا التنزيه ما تنطق به صراحةً طائفة من الآيات، منها قوله تعالى: «إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون» (يس- 13).
لا تنتبه التفاسير إلى السؤال الذى يتعلق بتحقيق الانسجام بين الآيتين، الاتساق بين خلق الكون فى ستة أيام، وقانون الكونية الإلهى كما يبرزه اللفظ القرآنى «كن فيكون»، والأطرف أن التفاسير الكبرى الموروثة تستغرق فى نفس الوقت فى سرد المرويات التوراتية التى تنتقد عدم تنزيهها لله فى موضوع الاستراحة وحده، فتحرص تفاسير الطبرى والقرطبى وابن كثير على إيراد خبر منسوب لأبى بكر: «جاءت اليهود إلى النبى فقالوا: يا محمد، أخبرنا ما خلق الله من الخلق فى هذه الأيام الستة؟ فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعنى من يوم الجمعة، وخلق فى أول الثلاث ساعات الآجال، وفى الثانية الآفة، وفى الثالثة آدم. قالوا: صدقت إن أتممت، فعرف النبى ما يريدون فغضب، فأنزل الله: وما مسنا من لغوب».
والتأويل الذى يمكن أن يتبادر للذهن مباشرة ليتحقق به الاتساق بين خلق الكون فى ستة أيام، وقانون الكونية: كن فيكون، هو تأويل يعزو الخلق فى ستة أيام إلى طبيعة الكون وممكنات المادة وقوانينها الفيزيائية وارتباطها بالزمن والتغير بالضرورة، بينما يعزو الأمر الكونى المتعالى عن الزمان والمكان للإرادة الإلهية المطلقة، دون تضارب يراه بينهما، ما يعنى أن الزمن والتكون المتدرج بحسب هذا التأويل لا يعزى للأمر الإلهى، لكن يعزى لاستجابة المادة وتكونها بحسب قوانينها. وقد يكون هذا التوفيق منطقيا شريطة أن نتصدى لإشكالية أخرى تنتج عنه وتتعلق بعلاقة الإرادة الإلهية بقوانين الكون والسببية الفيزيائية، فالسؤال الذى يطرح مباشرة لابد أن يتصل بالضرورة التى أدت إلى تعلق المادة بقوانينها وحاكمية هذه القوانين فى خلقها، رغم -أو فى- حضور إرادة (كن فيكون). وهو سؤال ربما وجدنا إجابة عنه فى قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» (هود-7 )، ما يعنى أن الإرادة الإلهية اتجهت إلى تشييد عمارة مادية سببية للكون تعمل وفق قوانين الكون والطبيعة ومنطقهما الداخلى ليتحقق الهدف وهو الاختبار الإلهى للبشرية: «ليبلوكم أيكم أحسن عملا»، ما يعنى أن آيات الخلق فى القرآن تشير عبر رمزية الأيام الستة إلى كون يتحرك وفق حاكمية قوانين الطبيعة والعقل البشرى.
ورغم أن رمزية الأيام الستة فى خلق الكون تقتضى فهم الإشارة إليها كمراحل أو وحدات زمنية متتابعة لا كأيام محدودة من أيام الناس، فإن قارئ القرآن يتوقف أمام آيات فى سورة (فصلت) تجعل مجموع أيام الخلق ثمانية فى قوله: «قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ»، وكانت إجابة المفسرين باختزال الأيام الأربعة فى يومين، على اعتبار أنها متضمنة خلق الأرض فى اليومين الأولين كما يقول قائل: انطلقت من القاهرة للإسكندرية فى ثلاث ساعات، وإلى مطروح فى ست ساعات، ويكون مفهومًا أن الست الثانية تستوعب الثلاث الأولى.
لكن السؤال الذى لا تطرحه التفاسير الموروثة ولا العقل الأصولى فى تبعيته بدوره حول ما يمكن بناؤه على معارف العلم الحديث بخصوص كوننا ذوى الأبعاد الهائلة التى لا تعرف لها نهاية: كيف يستغرق خلق الأرض وحدها مدة تساوى نفس مدة خلق الكون كله بضخامته اللا محدودة؟! وكيف يمكن من ثم تفسير هذه البينية بين الأرض والسموات «الأرض والسموات وما بينهما» بعد أن بدد العلم الحديث نظرية أن الأرض مركز الكون؟! واعتقادى أن إجابة هذا السؤال تستبعد أن تنفصل عن القاعدة التفسيرية الأولى فى نظرية الخلق بالقرآن، وهى قاعدة الكون البشرى الذى يخضع فى عمله لقوانين الطبيعة ومنطق العقل الإنسانى.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..