الحلاج «الحكاية الكاملة- 1».. الجناية الحقيقية للحلاج

د. محمد فياض



الحلاج «الحكاية الكاملة- 1».. الجناية الحقيقية للحلاج



حكاية الحلاج هى إحدى الحكايات المأساوية التى تجاوزت شهرتها الآفاق. بدأت بتكفيره واتهامه بالشرك نتيجة شطحاته وأقواله؛ مثل مقولة «أنا الحق»  وانتهت هذه المشاهد باتخاذ الخليفة العباسى المقتدر بالله 295-320هـ/ 908-932م) قرارًا بإعدامه، وفى يوم الثلاثاء 24 من ذى القعدة سنة  309هـ /921م، تم تنفيذ حكم الإعدام به بطريقة أقل ما توصف به أنها بشعة، حيث صُلب وقُطعت أطرافه وسُملت عيناه، ثم قُطع رأسه، وأُحرق جسده فى واحد من المشاهد المأساوية فى التاريخ الإسلامى.

إن مهمة الكاتب فى هذه المقالات الكشف عن جناية الحلاج الحقيقية من وجهة نظر هذه الدراسة، وكيف تورط الحلاج سياسيًّا متحديًا السلطة؟ وكيف حاول الرجل التأسيس لثورة اجتماعية حقيقية؟ كل هذه الإشكاليات أنتجت لنا عدة صور عن حلاج واحد، فهو حلاج كافر ومرتد لدى معظم رجال السلطة والفقهاء، وهو حلاج خائن للقضية الصوفية عند رجال التصوف التقليدى، وهو أحد الملهمين الذين ارتدوا عباءة القداسة لدى مَن آمن بقضيته من الجمهور حتى وصل إلى مرتبة الأساطير، فضلا عن المبالغات الشديدة التى قيل منها إن الجن كانوا يخدمونه، وقيامه بالسحر والشعوذة وادعاء النبوة، وإحياء الموتى، والزندقة، بل فى مراحل أخرى حاول البعض لصق تهمة أخلاقية بأنه قد تحرش بابنة صديقه، وإن كانت هذه التهمة لم تقوَ على الصمود مثل تهمة التكفير، فوصل الشطط فى الاتهامات إلى الذروة، فقال البعض إنه ادّعى الألوهية.
على أية حال فإن السؤال المحورى فى هذه الدراسة يتلخص فى: هل كانت جناية الحلاج دينية؟ وهل ما نُسب إلى الحلاج من شطحات هو الذى أودى به إلى التكفير ثم الصلب، أم أن قضية الشطحات لم تكن سوى لبوس واهية لأسباب أكثر عمقًا وجدية؟
كان محمد بن داود، أحد كبار فقهاء الظاهرية فى عصره، أبرز مَن تصدوا للحلاج، فاستغل مركزه كقاضٍ فى بغداد ورفع أمر الحلاج إلى المحكمة مطالبًا بقتله، وفى ما يتعلق بعلاقة الحلاج بالسلطة فإن نظرة سريعة على ما كتبه ابن النديم كفيلة بأن توضح لنا خطورة الحلاج على السلطة، فوصفه بأنه (جسور على السلاطين، مرتكبٌ للعظائم، يروم إقلاب الدول)، وبنص آخر أنه كان (متهورًا جسورًا يروم إقلاب الدول)، وأنه قال ذات مرة لرسول أبى سهل النوبختى: (أنا رأس مذهب وخلفى ألوف من الناس يتبعونه باتباعى له).
إن الاعتقاد بأن الحلاج كان مجرد رجل صوفى يعمل بشكل فردى، يتحدث عن الأفكار الصوفية باعتدال أو بشطح هو فكرة مشكوك بها، فبحسب العديد من النصوص، الحلاج كان له دعاة متفرقون فى النواحى، كما ظهرت آنذاك لفظة (الحلاجية)، وهو ما يشى لنا عن إطار تنظيمى ذى أفكار محددة، وصارت كلمة الحلاجية تهمة خطيرة فى ذلك الوقت.
ومن الحوادث الخطيرة التى مرت بها جدلية علاقة الحلاج بالسلطة أن الحلاج قد صرخ ذات يوم فى الوزير علِى بن عيسى، قائلا له: «قف حيث انتهيت ولا تزِد عليه شيئًا وإلا خسفت الأرض من تحتك. فتهيب على بن عيسى مناظرته واستعفى منه»، أو بنص آخر: «قف حيث انتهيت ولا تزد عليه شيئًا وإلا قلبت الأرض عليك». وحسب أحد التحليلات فإن الحلاج فى رحلاته الكثيرة فى العالم الإسلامى قد استطاع أن يُكوِّن لنفسه أتباعًا وحشودًا، ما يفسر تهديده بأنه سيقلب عليه الأرض. والأكثر خطورة هو ما قاله للوزير العباسى حامد بن العباس: «أنا أهلكك» فقال له حامد: «الآن صح أنك تدعى ما قرفت به». ويبدو أن حامد بن العباس لن ينسى هذه الكلمة أبدًا للحلاج، وستكون سببًا أساسيًّا فى انتقام حامد بن العباس من الحلاج، وهو ما سيفطن إليه (ماسينون) عندما علق على موقف حامد بن العباس من الحلاج قائلا: «وكان حقده على الحلاج قديمًا».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..