الخلفاء غير الراشدين.. الحكم بن هشام قتل ثلاثة من أعمامه وصلب 72 من علماء قرطبة

سمير درويش



الخلفاء غير الراشدين.. الحكم بن هشام قتل ثلاثة من أعمامه وصلب 72 من علماء قرطبة



بدايةً، تجب الإشارة إلى أن حكم الأمويين فى الأندلس أضاف عدة أشياء لم يعرفها حكمهم فى دمشق، منها أن أمراءهم تزوجوا إسبانيات فجاء أبناؤهم مخلَّطين، فقد تزوج الخليفة الأول عبد الرحمن الداخل جارية إسبانية اسمها «حورا» أنجبت له عدة أبناء، منهم الخليفة الثانى هشام الرضا، الذى تزوج جارية إسبانية أيضًا اسمها زخرف، ولدت له، ضمن ما ولدت، الخليفة الثالث الحكم الربضى بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، وقد تزوج امرأة اسمها «حلاوة» من المولدين، وهم سكان الأندلس الأصليون الذين اعتنقوا الإسلام، وأبناء الأمازيغ والعرب من أمهات إسبانيات، وقد شغلوا مناصب كبرى فى الأندلس كما عملوا بالتجارة، وهؤلاء كانت النظرة إليهم دونية، فالعرب يعتبرونهم أقل منهم لأنهم ليسوا أصلاء؛ لذلك كانوا يضنون عليهم بالمناصب فى بداية الدولة، وكان الإسبان يعتبرونهم خوارج أو مرتدين لتركهم المسيحية، ربما لأسباب براجماتية نفعية، وكان يطلق أيضًا على الإسبان الذين أسلموا وحافظوا على أصولهم فلم يختلطوا بالعرب ولم يتزوجوا منهم أو يزوجوهم؛ مثل عائلة بنى قسى التى أسلمت وحكمت مناطق واسعة فى الثغر الأعلى فى حوض نهر أبرة، ومن مشاهير المولدين عمروس بن يوسف، أحد قادة الأمير الحكم بن هشام الذى ولّاه طليطلة عام 181 هجرية، وبنو مروان الجليقيون الذين تمردوا وأعلنوا انفصالهم مرات عدة فى ماردة وبطليوس، ومنهم المتصوف والثائر أحمد بن قسى الأندلسى، وأشهرهم على الإطلاق عمر بن حفصون، الذى قاد وبنوه من بعده أخطر وأطول تمرد على الدولة الأموية دام لنحو خمسين عامًا، وانتهى على يد جيش الخليفة عبد الرحمن الناصر.

كما أسهم ذلك فى تغيير ملامح سلالة الخلفاء فى الأندلس إلى الشكل الأوروبى؛ البشرة البيضاء المشربة بحُمرة، مع احتفاظهم بلغتهم وثقافتهم العربية التى تعلموها فى قصور آبائهم، كما لم يعد ضروريًّا أن يكون ولى العهد هو أكبر أبناء الخليفة، كما كان فى العصر الأموى الأول، فهشام لم يكن أكبر أبناء عبد الرحمن الداخل، كما لم يكن الحكم أكبر أبناء أبيه هشام.
وُلى الحكم بعد موت أبيه عام 180 هجرية، واستمر فى الحكم 26 عامًا حتى مرض وتوفى عام 206 ودُفن فى قصر قرطبة. ما أن علم عمَّاه سليمان وعبد الله البلنسى بتوليه حتى تسللا من منفاهما بالمغرب إلى الأندلس وتواصلا مع الثائرين فى الثغر الأعلى، كما ثار عليه أبو الحجاج بهلول بن مروان فى سرقسطة، وعبيدة بن حميد فى طليطلة، فتحالف الحكم مع عمروس بن يوسف، زعيم المولدين فى طلبيرة ضدهما، فألَّب أهل طليطلة على الثائرين حتى هزموهم وقتلوا عبيدة بن حميد، فولى الحكم عمروس بن يوسف على طليطلة، لكن سليمان وأخاه جمعا جيشًا حاربا به الحكم فى إستجة وجيان وإلبيرة من 182 إلى 184 هجرية، لكنهم هُزموا، وقبض الحكم على عمه سليمان وقتله، بينما فر البلنسى حتى عام 186 هجرية، وطلب الأمان من ابن أخيه الحكم بعدها، فأمَّنه، على أن يعيش فى بلنسة محدَّدةً إقامته.
ومن الحوادث المهمة فى ولاية الحكم ما حدث عام 189  هجرية، إذ تسربت إليه أنباء عن مؤامرة يحيكها ضده بعض فقهاء وأقطاب قرطبة لغضبهم من معاملته، إذ أنكروا عليه أمورًا كثيرة؛ مثل عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى الليثى، ويحيى بن مضر القيسى، فأمر بالقبض عليهم وأعدم 72 رجلًا وصلبهم فى مذبحة مروّعة، منهم يحيى بن مضر، وعمَّاه أمية وكليب، ابنا عبد الرحمن الداخل، وفرَّ يحيى الليثى وعيسى بن دينار. وفى عام 191 هجرية نسق مع عمروس بن يوسف، والى طليطلة، مذبحة كبرى لمئات من وجوه طليطلة، فقد سمع أنهم كانوا ينزعون إلى الثورة ضده، فدعاهم إلى وليمة وقتلهم جميعًا. وهناك واقعة الربض، حيث ثار أهل الربض الجنوبى فى قرطبة وتوجهوا ناحية القصر لإسقاط الحكم بسبب ارتفاع الضرائب وقيام الحكم بقتل وصلب 10 من وجوههم، وقيام مملوك له بقتل رجل لأنه طالبه بثمن سَن سيفه، قاومهم الحكم ثلاثة أيام وانتهت الثورة بعد أن أفنى عددًا كبيرًا منهم، وأمر بصلب ثلاثمئة من الثوار، وهدم الربض الجنوبى بأكمله وشرَّد أهله الذين تفرقوا بالهجرة إلى أكثر من مكان.



أقرأ أيضا

فن

غاب القمر

في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.
البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...