ظنية البخارى

سامح عيد



 ظنية البخارى



قولاً واحدًا أحاديث البخارى ظنيّة فى أغلبها الأعم وسأحيلك هنا إلى مقطع من كتاب الإسلام عقيدة وشريعة للإمام الكبير الشيخ شلتوت شيخ الجامع الأزهر، الذى قل أمثاله فى هذا الزمن.


التواتر والآحاد
ولكى يتضح مناط «القطعية والظنية» فى ورود الحديث ينبغى أن نبين ما قرره العلماء فى «التواتر والآحاد» ليهتدى بها من يريد الوصول إلى الحق.


قسم العلماء «السنة» إلى قسمين: ما ورد بطريق التواتر وما ورد بطريق الآحاد، وضابط التواتر أن يبلغ الرواة حدا من الكثرة تحيل العادة معه تواطؤهم على الكذب، ولا بد أن يكون ذلك متحققًا فى جميع طبقاته: أوله ومنتهاه ووسطه، بأن يروى جمع عن النبى ثم يروى عنهم جمع مثلهم، وهكذا حتى يصل إلينا، وهو عند التحقيق رواية الكافة عن الكافة.


ويقول بعض علماء الأصول: «الخبر المتواتر هو الذى اتصل بك من رسول الله اتصالاً بلا شبهة حتى صار كالمعاين المسموع منه، وذلك أن يرويه قوم لا يحصى عددهم ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم، ويدوم هذا فى وسطه وآخره كأوله، ولك مثل: القرآن والصلوات الخمس، وأعداد الركعات، ومقادير الزكوات.


 عندما أراد الشيخ شلتوت ضرب مثالاً بالمتواتر لم يجد إلا القرآن والصلوات الخمس وأعداد الركعات، بمعنى أن كل الرغى عن سحر الرسول وإرضاع الكبير ومحاولة النبى الانتحار ما هو إلا لغو ظنى.


نعود للشيخ شلتوت الآحاد لا تفيد اليقين
أما إذا روى الخبر واحد، أو عدد يسير ولو فى بعض طبقاته، فإنه لا يكون متواترًا مقطوعًا بنسبته إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وإنما يكون «آحاديًّا» فى اتصاله بالرسول شبهة، فلا يفيد اليقين، إلى هذا ذهب أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة: وقال البزدوى: وأما دعوى علم اليقين يريد فى أحاديث الآحاد فباطلة بلا شبهة؛ لأن البيان يرده، وهذا لأن خبر الواحد محتمل لا محالة، ولا يقين مع الاحتمال، ومن أنكر هذا فقد سفه نفسه وأضل عقله، وقال الغزالى: «خبر الواحد لا يفيد العلم وهو أى عدم إفادته العلم معلوم بالضرورة، وما نقل عن المحدثين من أنه يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يسمى الظن علمًا، ولذا قال بعضهم: خبر الآحاد يورث العلم الظاهر، والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن، وقال الأسنوى: وأما السنة فالآحاد منها لا يفيد إلا الظن.


 هنا يؤكد الشيخ شلتوت أن الأئمة الأربعة وأبو حامد الغزالى والبزدوى وغيرهم يجمعون على أن الآحاد لا يفيد اليقين ومن أنكر هذا فقد سفه نفسه وأضل عقله.


وهكذا نجد نصوص العلماء من متكلمين وأصوليين مجتمعة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، ونجد المحققين من العلماء يصفون ذلك بأنه ضرورى لا يصح أن ينازع أحد فى شىء منه، ويحملون قول من قال «إن خبر الواحد يفيد العلم» على أن مراده العلم بمعنى الظن كما ورد، وخبر الواحد لا تثبت به عقيدة يكفر جاحدها، فإن الله تعالى لم يكلف عباده عقيدة من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن، ومن هنا يتأكد أن ما قررناه من أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة ولا يصح الاعتماد عليها فى شأن المغيبات قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التى لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء!


 بمعنى أن الكلام عن عذاب القبر أو علامات الساعة الكبرى وغيرها لا يكفر منكرها؛ لأنها ظنية، ولا تأتى العقائد بطريق الظن، وهو قول مجمع عليه وثابت كما يقول الشيخ شلتوت


ندرة المتواتر:
وإذ قد عرفنا الفرق بين مناط القطعية فى الورود وهو التواتر، ومناط الظنية وهو الآحادية، فهناك بحث آخر يتصل بالتواتر ولا بد من النظر فيه، هذا البحث هو: هل يوجد المتواتر فى الأحاديث المروية فى الكتب المدونة؟ وقد اختلف العلماء فى الجواب عن ذلك: فذهب قوم إلى أنه لا يوجد حديث متواتر فيما روى لنا من الأحاديث ودون فى الكتب، ولعل هؤلاء بنوا رأيهم هذا على اشتراط عدم الإحصاء فى رواة المتواتر، وهو مذهب لطائفة من العلماء كما تبين مما نقلناه فى تعريف المتواتر، وقال ابن الصلاح: «لا يكاد يوجد المتواتر فى رواياتهم، من سئل عن إبراز مثال له فيما يروى من أهل الحديث أعياه تطلبه، وحديث «إنما الأعمال بالنيات» ليس من ذلك السبيل وإن نقله عدد التواتر وزيادة؛ لأن ذلك طرأ فى وسط إسناده ولم يوجد فى أوله، نعم حديث «من كذب على» نراه مثالاً لذلك، فإن رواته أزيد من مئة صحابى وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، ولا يعرف حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيًّا إلا هذا الحديث الواحد».


ـ كلام مهم، هنا يؤكد أن الشيخ شلتوت يقول إإن بعض العلماء نفوا التواتر عن كل الأحاديث المدونة، وعلى رأسهم الكتب الستة البخارى ومسلم إلخ، كله آحاد حتى حديث إنما الأعمال بالنيات خالف شرط التواتر، الحديث الوحيد الذى تحقق فيه شرط التواتر هو حديث من كذب علىّ، وهذا الحديث الوحيد هو الحديث الموجه إلى  الرواة أنفسهم.


وليس بنا حاجة إلى أن نعرف مدى هذه الكثرة التى يراها هؤلاء، ويذكرونها فى مقابلة القول بالعدم، أو فى مقابلة القول بالندرة وإعياء تطلب المثال، وإنما يهمنا أن نلفت النظر إلى أنه لا يحكم لحديث بالتواتر حتى على أكثر هذه المذاهب توسعًا ـ إلا إذا اجتمعت فيه الشروط الآتية:

1- أن تخرجه جميع الكتب المشهورة المتداولة.


2- أن تتعدد طرق إخراجه تعددًا تحيل العادة معه التواطؤ على الكذب.


3- أن يثبت هذا التعدد فى جميع طبقاته: أوله وآخره ووسطه، وإذن: فالحديث الذى لم تخرجه جميع الكتب المتداولة المشهورة، أو أخرجته جميعها ولكن بطرق متعددة، أو أخرجته بطرق متعددة ولكن لا فى جميع الطبقات، بل فى بعضها دون بعض لا يكون متواترًا باتفاق العلماء أجمعين.


أسباب الإسراف فى وصف الأحاديث بالتواتر وأسبابه:
ويجدر بنا بعد هذا أن نعرض ظاهرة غريبة شاعت فى الناس، واجب على العلماء المسؤولين أمام الله وأمام الرسول تبيانها: تلك الظاهرة هى أنه على الرغم مما قرره العلماء فى شأن المتواتر تحديدًا ووجودًا، وعلى الرغم من هذا التحفظ الشديد فى الحكم لحديث مما دُون فى الكتب بالتواتر فإننا نرى بعض المؤلفين قديمًا وحديثًا يسرفون فى وصف الأحاديث بالتواتر، وقد يقتصدون فيخلعون عليها أوصافًا أخرى كالشهرة والاستفاضة والذيوع على ألسنة العلماء، وتلقى الأمة إياها بالقبول والثبوت فى كتب التفسير وشرح الحديث.


ولهذه الظاهرة أسباب:
منها وقد يكون أقلها خطرًا، اشتهار الحديث فى طبقة أو طبقتين فتسحب الشهرة على جميع طبقاته، ويحكم عليه حكمًا عامًّا بالتواتر أو الشهرة من غير تحقيق ولا تمحيص وقد لا يصل الحديث إلى حد الشهرة فى طبقة ما، ولكنه جاء فى «الخلافيات» فقهية أو كلامية فتعصّب له أتباع المذاهب، وخلعوا عليه وصف الشهرة أو التواتر تأييدًا لمذهبهم، وتناقلته الكتب، موصوفًا لذلك منسوبًا إلى جمع من رجال الرأى والمذهب فيخاله الناس مشهورًا أو متواترًا وهو ليس بمتواتر ولا مشهور.


وقد جاء فى شرح المقاصد بعد أن قرر مؤلفها أن جميع أحاديث أشراط الساعة آحادية ما نصه: «ولا يمتنع حملها على ظواهرها عند أهل الشريعة.. وأوّل بعض العلماء النار الخارجة من الحجاز بالعلم والهداية سيما الفقه الحجازى، والنار الحاشرة للناس بفتنة الأتراك، وفتنة الدجال بظهور الشر والفساد ونزول عيسى باندفاع ذلك وبدو الخير والصلاح.. إلخ».


هنا يؤكد شلتوت على لسانه أن كل أشراط الساعة أحادية، ولا مانع من حملها بالتأويل أن فتنة الدجال لا تعنى شخصًا ولكن تعنى ظهور الشر والفساد وأن عيسى لا يعنى الشخص، ولكن يعنى الخير والصلاح بعد الشر والفساد.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...