الرابع الهجرى.. قرن التمزق السياسى وبناء القيم الحضارية الكبرى

عصام الزهيري



الرابع الهجرى.. قرن التمزق السياسى وبناء القيم الحضارية الكبرى



«الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى»، تأليف المستشرق السويسرى «آدم متز»، وترجمة «محمد عبد الهادى أبو ريدة»، والصادر بجزئيه عن سلسلة «تراث الترجمة» بالمشروع القومى للترجمة، هو موسوعة تاريخية من طراز فريد، ودائرة معارف لحضارة المسلمين خلال واحد من أوج قرون ازدهارها العلمى وتقدمها الفكرى والاجتماعى، وإن لم يكن كذلك على المستوى السياسى.

دائرة معارف ذات تصنيف مبتكر وتبويب يبلغ حد الكمال فى دقته القاموسية وإحاطته الموسوعية وذكائه التاريخى، بالإضافة إلى ما تحمله فهارسه ولائحة موضوعاته من شمول واستقلالية موضوعية يكفلان الإلمام الواسع المحقق والقدرة على جذب القارئ وتشويقه ليقرأ حتى النهاية.


يحتوى الجزء الأول من الكتاب سبعة عشر فصلا، يمثل عنوان كل فصل منها مادة معجمية جمع المؤرخ تحتها كل ما يتعلق بها من معلومات وسرد تاريخى فى المراجع التاريخية الكبرى المتصلة بتاريخ القرن الرابع الهجرى «العاشر الميلادى»، فيفتتح الفصل الأول بعنوان «المملكة الإسلامية» ويستعرض فيه خريطة الممالك الإسلامية التى عادت إلى خطتها الجغرافية التى كانت عليها قبل الفتح العربى، إذ قامت باتساع هذه المملكة دول صغيرة منفصلة بعضها عن بعض، كما كان الحال دائما فى تاريخ الشرق، وبعد أن كانت مملكة موحدة تنتقل مراكز الحكم فيها عبر عصور الخلافة، من المدينة المنورة إلى الكوفة إلى دمشق إلى بغداد. شهد القرن الرابع كذلك بعد تقسيم الخلافة الموحدة، الذى تم عام 324 هـ - 935م، هبوطا فى قيمة لقب «أمير المؤمنين» الذى كان يبعث من قبل فى النفس رهبة عظيمة، حتى إن حاكم «سجلماسة» جنوبى جبال أطلس، وكان حاكما سنيا صغيرا، سمى نفسه بأمير المؤمنين.
وهو القرن الذى بدأت فيه أيضا بوادر النزاع بين الممالك الإسلامية الصغيرة المنقسمة، ففى عام 403هـ - 1012م مثلا أرسل الحاكم بأمر الله فى مصر إلى السلطان محمود كتابا «رسالة» يدعوه فيه إلى طاعته، فبعث محمود بالكتاب إلى الخليفة القادر فى بغداد بعد أن خرقه وبصق فى وسطه. وكان الرابع الهجرى كذلك قرن استعادة مملكة الروم البيزنطية قدرتها على استرداد بعض المدن والأراضى التى فتحها المسلمون، وأخذت تتبادل السيطرة على هذه المدن مع ملوك المسلمين دورا بعد دور.

وكان هو القرن الذى شمر فيه السلطان «محمود بن سبكتكين»، صاحب غزنة، عن ساعديه وأخضع بلادا واسعة من بلاد الهند لسلطان المسلمين.

 

عموما، وكما يقرر «متز» فإن «الإمبراطوريات العالمية الكبرى ترتكز دائما إما على شخص زعيم عبقرى، وإما بنوع خاص على وجود طبقة من أهل الخشونة والقوة الوحشية، ووجود هذه الإمبراطوريات على كلتا الحالتين وجود غير طبيعى». وهو بالضبط ما كان يعنيه وجود الخلافة الإسلامية من حضور مؤقت فى تاريخ المسلمين وتاريخ الإنسانية، شأنها شأن غيرها من الإمبراطوريات التى يمكنها جمع عدد كبير من الشعوب المختلفة المغلوبة على أمرها فى إطار وحدة سياسية قسرية، وحكم يقوم على نهب ثروات الأقطار المفتوحة وصبها فى خزائن الخلافة وبيوت مال الخلفاء.


الفصل الثانى من موسوعة «متز» التاريخية بعنوان «الخلفاء» ويستعرض تواريخ متنوعة لخلفاء الأسر الحاكمة بطول العالم الإسلامى وعرضه، فى سلسلة منوعة من المقارنات الشيقة والمفارقات العميقة بين شخصيات وأسر وأساليب حكم مختلفة. وهو ما يفعله خلال كل ما يتلو من فصول الكتاب التى تشمل حديثا موسوعيا شاملا عن الأمراء «الوزراء»، ثم أحوال الأقليات الدينية «اليهود والنصارى»، والأقليات المذهبية «الشيعة»، وتتناول الفصول من السادس إلى السابع عشر شروحا ومعلومات تاريخية مفصلة عن الإدارة والمسائل المالية ورسوم دار الخلافة والأشراف والرقيق والعلماء وعلوم الدين والمذاهب الفقهية والقضاة وعلم اللغة والأدب فى ممالك القرن الرابع.


ثم يواصل الجزء الثانى خطته الموسوعية موغلا أكثر فى مجالات الحياة المادية الطابع، فبعد تناوله موضوعات الدين والأخلاق والعادات، يستعرض فى فصوله المتوالية موضوعات: مستوى المعيشة وأحوال المدن والأعياد والحاصلات والصناعات والتجارة والملاحة النهرية والمواصلات البرية والملاحة البحرية.
وحول طريقة جمع الكتاب وإحاطته بنواحى الحضارة الإسلامية يقول المفكر «أحمد أمين» الذى كان له الفضل فى اكتشافه وإسناد ترجمته لمترجمه: «طريقة معالجته تكاد تقتصر على جمع النصوص الكثيرة المتعلقة بالموضوع من مصادر متعددة، والاكتفاء بها، من غير أن يدخل المؤلف شخصيته وآراءه فى المسائل إلا فى القليل النادر».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..