رحلة صوفية بلغة شاعرة فى متون الأهرام

سمير درويش



 رحلة صوفية بلغة شاعرة فى متون الأهرام



غلاف كتاب «متون الأهرام» لجمال الغيطانى الصادر عن دار الشروق عام 2002، والذى تتصدره لوحة للفنان حلمى التونى، ليس مكتوبا عليه النوع الذى ينتمى له، إن كان رواية أم متوالية قصصية أم مجموعة قصص، وإن كانت كلمة الغلاف الأخير -التى كتبها د.صلاح فضل- تطلق عليها وصف «رواية» بارتياح، رغم أنها لا تحتوى على العناصر التقليدية المعروفة لها، فلا شخصيات مركزية تحتل مجمل الصفحات، ولا حدث متنامٍ، ولا وحدة زمان، الشىء الوحيد الثابت فى هذا العمل المدهش هو المكان الذى يأخذ منه عنوانه، أهرامات الجيزة، هذا المكان العتيد الذى يعد إحدى عجائب الأرض، والذى يهتم به الغيطانى كجزء من اهتمامه بالآثار المصرية القديمة، هو الوحيد الثابت الراسخ الأكيد، ويدور الناس حوله ومنه وإليه بأشكال مختلفة، كل منهم له حكاية غريبة تنحصر فى متن من المتون التى تتوالى مرقمة، التسعة الأُول منها تأخذ عناوين شعرية مكثفة لها طابع صوفى: تشوف، إيغال، تلاش، إدراك، نشوة، ظل، ألق، صمت، رقصة، وابتداء من المتن العاشر تختفى العناوين، ويتكون كل منها من بضع كلمات قليلة، فبينما المتن الأول يقع فى 20 صفحة، نجد العاشر يتكون من سبع كلمات، والحادى عشر من أربع، والثانى عشر والثالث عشر مثلها، والرابع عشر فيه تكرار كلمة «لا شىء» ثلاث مرات.


الروايات التى يحكيها الغيطانى حول الأهرامات تتناولها من زوايا مختلفة، فالمتن الأول يحكى عن صوفى أتى من المغرب -وكثيرون يأتون من المغرب- للمشرق كى يحج، فعنفه شيخه لأنه لم يهتم بالأهرامات، ما يجعله يسعى لزيارتها والتعرف على أسرارها، فتحولت المعرفة إلى شغف وتعلُق، وتحول الشيخ إلى مريد يبيع الكتب على رصيف أمام الجامع الأزهر انتظارا لكتاب سيأتيه به شخص ما، رجل أو امرأة أو طفل، يحمل سرا مستغلقا لا يدركه سواه، وسوى شيخه الذى يوحى إليه بما عليه عمله، وهو يسمع ويطيع. وفى المتن الثانى سبعة شباب يدخلون الهرم لاكتشافه من الداخل فى رحلة غامضة محفوفة بالمخاطر، مسلحين ببعض المعلومات التى تتوقف عند نقطة ما، لا تتجاوزها عند كل من سبقوهم إلى المخاطرة ذاتها، وبقائد رابط الجأش قوى، يقود الفريق كأنه يغزو المجهول، إلى أن تأتى النقطة التى يضيعون فيها أيضا، نقطة أبعد ممن سبقوهم، لكن الضياع هو النهاية دائما.


المتن الثالث عن العائلة التى تتوارث الصعود إلى قمة الهرم الأكبر فى زمن قياسى، وتقدم عروضا أمام كبار الضيوف المصريين والأجانب حتى مستوى رؤساء الدول، وثم حكايات عن رجل مكث شهرا فوق القمة دون أن يصحب غذاء معه، حتى نصل إلى الحفيد النحيف الأسمر القوى الذى هو بطل المتن، والذى يصعد ويتلاشى، والمتن الرابع عن الخليفة المأمون والرجل الذى ظل يقيس أبعاد الهرم من أسفله وأوسطه فيجده متساويا، رغم أنه يضيق كلما صعدنا لأعلى، وهو يتلاشى كذلك، والخامس عن الشاب المرشد المصرى الذى يدخل مع سائحة أجنبية، لا يلتفت إلى كل المغريات التى تقدمها له، لكن منطقة ما بالهرم تثير من يصل إليها، كإحدى معجزاته، فتجذبهما لبعضهما البعض، فيمارسان الغرام، فتحل بهما لعنة ما تجعلهما يتحولان إلى تراب وينتهى وجودهما تماما.


هذه الحكايات الغريبة السحرية التى يختلط فيها الواقعى بالخيالى، أو لنقل التى تنطلق من الواقعى وتتوغل تدريجيا إلى مناطق سحرية غامضة، تميز السرد فى هذه الرواية، كما تصبغ بعض أعمال الغيطانى من وقت مبكر فى تجربته القصصية والروائية، ولا تبدو غريبة عن النص ولا ناتئة مع ذلك، ويتفاعل معها القارئ ويصدقها باعتبارها واقعا بديلا، أو موازيا، فيضعها فى إدراكه الباطن محل الحقيقة المجردة التى تنبنى على المشاهد والأرقام، فمن ذا يستوعب -بعقله المجرد- أن أبعاد الأهرام متساوية فى القاعدة والوسط والقمة؟ أو أن شخصا ما يعيش شهرا دون طعام؟ أو أن قوى ما غير مرئية تطعمه؟ إن تصديق ذلك يلزمه أن يقتنع القارئ أن ثمة حقائق خاصة تنشئها الأهرامات التى لها عمق تاريخى، وحسابات معجزة، تشترك فيها الهندسة المعمارية الفرعونية عموما، وكذلك الحديث عن اللعنة التى تصيب كل من يحاول كشف سرها، وتنفرد الأهرامات بغموض أكثر لأنها ما تزال مجهولة فى معظمها من الداخل.


اللغة -إلى جانب المكان- بطل رئيسى لهذا العمل الصغير الفذ، يبين ذلك قبل أن تدخل إلى النص أصلا من تشكيل الكلمات كما يحدث فى بعض التجارب المتقدمة فى الشعر، ولا يحدث تقريبا فى القصة والرواية، يصاحب ذلك اعتناء كبير بتركيب الجملة، والتعبير بشكل بلاغى كالقصائد الكلاسيكية القديمة عند روادها، وتميل إلى لغة المتصوفة: النفرى وابن عربى، اللذين يقيم معهما الغيطانى علاقة ود دائم، وتأثير متواصل، فإذا اخترت جملا بشكل عشوائى تجده يقول ص24: «تلك فترة وعرة، ذرف خلالها دمعا خفيا، كلما عانى ضغطة وحدته، وشدة فردانيته، غير أن مجرد وقوع عينيه على الأهرام يبث داخله سكينة، يستسلم للنظر، إلى مهابة التكوين، إلى استعادة ما جمعه عنها من القوم، عن حرمتها المتوارثة، عن تفحم أى زوج من ذكر وأنثى دخلا إليها وحاولا الإتيان..» إلخ. هذه الإشارة إلى الذكر والأنثى تشير إلى ملمح هام آخر يسهم فى ربط المتون معا فى بناء واحد، هو تكرر الإشارات عن هذا المتن وذلك فى متون أخرى، مما يردك إليها ويجعلك تحس أنك داخل بناء محكم.


فى المتن الأول كذلك يضع الغيطانى عناوين، أو شبه عناوين، لبعض الفقرات، شىء يشبه الوقفات الشعرية والتكرارات التى يُقصد بها التركيز على معنى ما، أو على شىء، أو أن تكون محطات يرتاح عندها القارئ قليلا ليواصل الوثب، مثل: «لا تستدعى الذاكرة لحظة ما إلا مقترنة بموضع ما، يستحيل العشق بدون معرفة، الأمر دائما نسبى، للبدايات دائما شأن عظيم والبدايات لا تتكرر أبدا، يولد النهار من الليل ويخرج الليل من النهار، إنها للزيارة ليست للإقامة، أحيانا ترى البصيرة ما لا يراه البصر وأحيانا يرى البصر ما لا تدركه البصيرة».


تستطيع -إذن- أن تقول ببساطة وبأريحية واطمئنان إن جمال الغيطانى أحد المجربين العظام فى المشهد الروائى والقصصى العربى فى نصف القرن الأخير، فأعماله المتوالية تشهد على ذلك، وهو جسور لا يهاب خوض المناطق الوعرة الصعبة التى يمكن أن يتردد أمامها آخرون، ولا يمتلك آخرون الرؤية لدخولها أصلا، وهو بالطبع يمتلك رصيدا يستند إليه ليفعل هذا.

أشرت إلى التجريب فى روايته البديعة «الزويل»، وإلى تجريبه هنا فى «متون الأهرام»، مما يجعل التجريب سنته المقدسة، فى سبيل إنتاج نصه المحلق العارف.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.