ابن يحمل أباه كذنب لا يغتفر

حسين عيد



ابن يحمل أباه كذنب لا يغتفر



صدرت رواية «الأب» للكاتب يورج أكلين، عن سلسلة «إبداعات عالمية» بالكويت، العدد 406- أبريل 2015.

ترجمها عن اللغة الألمانية عبد الحميد حسين، وراجعها أسامة أبو طالب.


يحتل مسرح هذه الرواية أربع شخصيات فقط: أب، عجوز تلاشت قواه وأصبح خفيف الوزن، وابن «فالتر» فى عز شبابه، و«مارا» حبيبة فالتر التى هجرته فى النهاية، وأخ معوَّق.

وتجرى أحداث الرواية فى «حاضر» ليلة واحدة، بينما يمتد زمنها الفعلى أو التاريخى إلى سنوات بعيدة فى الماضى البعيد والقريب، من خلال «مونولوجات» فالتر الداخلية الطويلة المتوالية. وتبدأ الرواية بإخطار للابن بضرورة الاتصال بمدير دار الرعاية الموجود بها أبوه؛ لأنه حاول إحراق حجرته، ويرى الشرطى الذى يحرسه ضرورة نقله إلى قسم الطب النفسى، فحمله فالتر سرًّا فى حقيبة يحملها على ظهره بعيدًا عن دار الرعاية، متابعًا رحلة حصاد المزارعين وجهدهم النضالى الرهيب من أجل لقمة العيش، وانظر إلى فالتر وهو يقول فى نفسه: «إنها خدمة الحب الأخيرة»، كان يحكى له الأب فى ما مضى: «لا يجوز أن تخذل رفيقًا فى الحرب، لا يمكن للمرء ترك رفيق جُرح للأعداء، فنظراته اليائسة ستطاردك طوال العمر».

وتستمر رحلة الهرب على مدار الرواية حتى يموت الأب فى النهاية، بعد رحلة استكشاف وبحث فى كل أرجاء الماضى والسنوات والعذابات والأفراح التى عاشاها معًا، للتعرف إلى خبايا وخفايا النفس البشرية لدى كل منهما.

ووضح تأثر المؤلف بالشكل المسرحى، من ناحية قلة عدد الشخصيات، والحوارات الطويلة الممتدة بينهم بحيث تتكلم إحدى الشخصيات وتنصت الأخرى حتى تنتهى من حديثها فتبدأ الحديث، وكانت الإطالة فى هذه الأجزاء ترهق القارئ، ربما ساعد الوصف الواقعى بزيادة التفاصيل على خلق عائق ربما يتسبب فى بَلْبَلة القارئ!


ولعل أول سؤال قد يتبادر إلى ذهن القارئ، سيكون حول أهمية أو ضرورة كتابة رواية جديدة حول الأب، رغم أن الأدب العالمى يموج بأعداد معقولة منها وربما تكون أكثر شهرة، خصوصًا أنها روايته السادسة، صدرت عام 1998، بعد أن بدأ فى كتابه الأول فى الشعر، عام 1967، ولعله لم يرتَح له فكتب رواية عام 1969، ثم تلاها كتاب يتضمن نصوصًا أدبية، ثم هجر الشعر تمامًا واندمج فى عالم الرواية بخمس روايات متتالية، كان آخرها «الأب».


وإذا توقفنا أمام ما أورده المترجم فى مقدمته من أن المؤلف يعترف بأن كثيرًا من ملامح الأب فى روايته هى عن أبيه نفسه، وكما يوجد فى الرواية أخ معاق فهو هنا يكتب عن خبرة شخصية بحتة.

كما يستطرد المترجم بأن الرواية «لا تخلو من ملامح السيرة الذاتية، وتطرح العلاقة بين الأب والابن، وموضوع الشيخوخة والمرض والعجز، وكذلك وصفًا لمواقف الإنسان وسلوكه فى حياته مع أسرته وابنه بالذات».


وإذا علمنا أن المؤلف استقر رأيه على أن يعمل محللا نفسيًّا، ويقول إن الكتابة تعلمه التغلب على خوفه الذاتى، أما مخاوف الآخرين فهو يعالجها فى عيادته الخاصة التى يعمل بها حاليا. هنا، بحكم تكوين المؤلف الحساس، فلعل الأب كان يشكل له عائقا من الخوف على المستوى النفسى بأنه لن يستطيع أن يتجاوز ما حققه من إنجاز، ما لم يواجه الخوف من صورته الحية فى ماضيه، وأن يتجاوزها، خصوصًا بعد أن فعل مرور الزمن فعلته، وتحول جبروت الأب إلى ضعف وسكينة!


وانظر إلى رغبته العنيفة فى الاختلاف عن الأب، وهو يقول: «كان الأصدقاء يقولون دائما إنك تشبه أباك، نفس الخطوة ونفس ملامح الوجه، مع هذا كنت أود لو أصير مختلفًا».


إنها الرغبة فى التحرر والانعتاق من الشخصية التى بدأت قوية ضارية لا قدرة للوقوف أمامها أو التصدى لجبروتها، لكن ها هو الزمن ينحسر وتتلاشى قوى الأب ويصيبه الخور والضعف، فيحمله الابن ككيس نفايات فوق ظهره خلال رحلة الهرب المستحيل من مصير محتوم يحوم فى الفضاء منتظرًا اللحظة المناسبة لينقض انقضاضته الأخيرة أمام الفريسة المستسلمة لقضاء الله!


أما الصورة التى تبقى من الرواية، فهى صورة ابن يحمل أباه على ظهره، كمن ينوء بحمل صليب ثقيل، كأنه ذنب لا يغتفر عليه أن يفعل المستحيل حتى ينال الغفران والخلاص قبل أن تنقضى الحياة!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.