«1968» رواية ترفض أن تكتمل

سارة وصفي



«1968» رواية ترفض أن تكتمل



يستخدم الكاتب أسامة حبشى فى السطور الأولى من رواية «1968» الصادرة مؤخرًا عن دار العين 2015، تقنية الحلم، وعلى الأخص الحلم الكابوسى، فقد استطاع أن يجعل من الحلم واقعًا مفزعًا يعيشه البطل بأسلوب كتابة يشبه إلى حد كبير أسلوب كتابة أدب «الواقعية السحرية»، فنقل إلينا صورة مرعبة عن حلم يراود بطله دائمًا كلما غفا، إذ يرى نفسه يبتلع جسمًا كبيرًا غريبًا يتوقف فى حلْقه ويمنعه عن التنفس، وعندما يفلت من الموت بصعوبة بمساعدة يد غامضة تضربه على ظهره بقوة، يجد نفسه يتقيأ قططًا كبيرة، يسمع مواءها المستغيث، ويظل هذا الصوت يلازمه حتى بعد استيقاظه، فأصبح يخشى النوم والصحو معًا.


ينطلق الراوى بعد ذلك فى السرد مستخدمًا أسلوب «القص الذاتى» الذى يستخدم فيه ضمير المتكلم «الأنا»، حتى يحكى عن حياته التى فقد السيطرة عليها، فوقع فريسة لاكتئاب مزمن سيطر عليه وجعله ينعزل عن العالم المحيط، خصوصًا بعد إصابته بأزمة «الرايترز بلوك»، فلم يستطع تكملة روايته التى بدأها منذ مدة ولم يكتب منها سوى ثلاثة فصول فقط. نقل لنا الكاتب حالة بطله بالعديد من الأدوات، ومنها الإكثار من استخدام الوصف البصرى ليصور المعاناة النفسية التى أصابته، مثل وصف غرفته التى يعيش بها «غرفة بها سرير خشبى متهالك، ووسادة مليئة ببقع سوداء، الملابس لا يوجد إلا القليل منها، فقد أحرقت أغلبها منذ زمن كى أجبر نفسى على عدم الخروج، ورغم ذلك فهذه المحتويات القليلة تحاصرنى وكأنها شخوص تحاربنى»، أو عن طريق استخدام المناجاة أو الشكوى، وكأنه يسجل هذيانه، فتارة يدعو الله ليرأف به، وتارة يقحم القارئ فى الرواية ويطلب مساعدته، كما صبَّ كل غضبه على نفسه وفشله، فجاءت اللغة سوْداوية تجنح إلى التشاؤم والحزن.


كما استخدم الكاتب تقنية «الفلاش باك» ليحكى فى مستوى آخر من الرواية بإيقاع سردى مختلف عن نشأته، فتتفرع العديد من الحكايات وتصب كلها فى مجرى الحكاية الرئيسية، هذا الجزء من الرواية يتمحور حول رصد التكوين النفسى والعقلى للبطل، فسرد عن شخصيات نسائية جميعها انهزامية وضعيفة؛ مثل أمه التى أطلق عليها والدها اسم «عبدة الدار» لتكون بمنزلة خادمة لأهل الدار جميعًا، وحكى عن أبيه وسطوته وأسطورة زواجه من جنية تكيد المكائد لأمه، وعن أخته «نرجس» ومعاناتها منذ ولادتها بيد خالية من الأصابع ووجه مشوه، كما ظل والده يناديها «القرادة» ويعاملها كخادمة حتى وفاته، وهى الوحيدة التى لازمت بطل الرواية فى عزلته واكتئابه، فقد كانت تعد له الطعام وتقرأ له القرآن، وخصوصًا بعد انفصاله عن زوجته وابتعاده عن ابنه. وقد برع الكاتب فى تجسيد الشخصيات وتتبع تطورها نفسيًّا، والتنبؤ وتوقع ردود أفعالها.


تناول الكاتب أيضًا موضوع الكتابة، واللغة الدارجة فى السرد، وفساد الوسط الثقافى القائم على الادِّعاء والمجاملات الاجتماعية والسرقات، ثم تطرق إلى أسئلة وجودية عن الحياة والموت والفقد: «ما الحياة؟ الحياة نومة -أو تعسيلة- كبيرة، مليئة بمليارات من أحلام اليقظة».


تخلل الإطار العام للرواية قصة «1968» التى بدأت بمقطع عن الرئيس جمال عبد الناصر، من البيان الموجه للأمة بتاريخ 30 مارس 1968، وكان السارد هنا هو الراوى العليم، وقد تفرع من هذا الخط أيضًا العديد من الشخصيات والحكايات، فكانت الهزائم هى الرابط بين كل هذه الحكايات وبين حياته الشخصية، وحكايات المحيطين به أيضًا، فظهرت الرواية التى ترفض الاكتمال إسقاطًا على حياته الشخصية كما يراها.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..