ترامب أفضل فى تدمير الصفقات من صياغتها

ماكس بووت



ترامب أفضل فى تدمير الصفقات من صياغتها



ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

لقد حان الوقت لأن يبرر الرئيس ترامب نفسه وإما يصمت.

إنه يتصرف كمخرِّب يضرم النار فى التزامات أمريكا الدولية. حتى الآن خرج من الشراكة العابرة للمحيط الهادئ «TPP» واتفاق باريس للمناخ والآن اتفاق إيران النووى فى الوقت الذى يطلق فيه إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «NAFTA» واتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا «KORUS»، وفى الوقت الذى يذم فيه الناتو ومنظمة التجارة العالمية «WTO».
ووَفقًا لترامب، صفقة إيران «صفقة مروعة وأحادية الجانب وما كان ينبغى أن تعقد أبدًا»، واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «أسوأ صفقة تجارية تمت على الإطلاق»، واتفاق باريس كان «دمارًا لهذا البلد»، والشراكة العابرة للمحيط الهادى كانت «صفقة سيئة جدًّا للولايات المتحدة»، واتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا «صفقة مروعة وغير مقبولة» و«تقتل الوظائف»، ومنظمة التجارة العالمية «غير منصفة للولايات المتحدة»، والناتو «غير منصف تجاه شعب الولايات المتحدة ودافعى ضرائبها».
وفى الوقت الذى يشوه فيه سمعة الاتفاقات القائمة تعهد بالتفاوض على اتفاقات جديدة ستكون بكل بساطة مذهلة. وفى توديعه للشراكة العابرة للمحيط الهادى، قال: «أحب العلاقات الثنائية، أعتقد أنها أفضل لبلدنا.. وسأفضل كثيرًا صفقة ثنائية مباشرة مع اليابان». وفى إعلانه الانسحاب من اتفاق باريس، قال إن «شيئًا قد يحدث.. وإذا حدث سيكون ذلك رائعًا». وفى توديعه للاتفاق النووى الإيرانى، تعهَّد: «سنجد حلًّا حقيقيًا وشاملًا ودائمًا للتهديد النووى الإيرانى».
ويتماشى كل هذا مع تفاخر ترامب بأنه أعظم مَن يبرم صفقات فى العالم. فكما غرَّد عام ٢٠١٤: «الصفقات هى فنى. أشخاص آخرون يرسمون بشكل جميل أو يكتبون الشعر. أنا أحب إبرام الصفقات، يفضل أن تكون صفقات كبيرة. هكذا أحصل على متعى».
إذن كيف يؤدى القائد الأعلى للصفقات فى إبرام صفقات جميلة جديدة؟ ليس جيدًا. بعد ما يقرب من ١٦ شهرًا فى المنصب، نجح فى إعادة التفاوض على صفقة واحدة بالتمام والكمال مع كوريا الجنوبية. ويصف خبراء التجارة الاختلافات بين الاتفاقية القديمة والجديدة بـ«المحدودة».
ولا تزال إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية متواصلة، ولكن ترامب لم يبذل أى جهد لإعادة التفاوض على الشراكة العابرة للمحيط الهادى أو اتفاق باريس ومنظمة التجارة العالمية أو الناتو، ناهيك بالاتفاقات التجارية الثنائية مع اليابان أو غيرها. والآن سيأتى الامتحان الأكبر لمهاراته التفاوضية مع إيران وكوريا الشمالية حيث وضع حدًّا عاليًا جدًّا للنجاح.
وستقع المسؤولية على ترامب ليعقد صفقة مع إيران لا تحتوى على «أحكام غروب الشمس» «التى تسمح لإيران باستئناف أنشطتها النووية بعد مرور ١٠ سنوات» بل بها متطلبات تفتيش أكثر تطفلًا إلى جانب قيود على صواريخ إيران الباليستية (أنشطتها المزعزعة للاستقرار). ولتحقيق هذا العمل الفذ سيضطر ترامب إما إلى التهديد باستخدام القوة ضد إيران -الأمر الذى يخاطر باندلاع الحرب- وإما إلى إعادة فرض العقوبات التى تم رفعها عقب الوصول إلى الاتفاق فى ٢٠١٥. ولن يكون القيام بذلك سهلًا نظرًا لمعارضة كل الأطراف الأخرى (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين وإيران) لقراره الذى يبطل صفقةً إيران ملتزمة بها، كما يعترف حتى وزير خارجيته. وبالفعل، قد طالب الرئيس بصفقة أفضل لشهور تحت تهديد الانسحاب دون جدوى.
ويزعم ترامب أن الرئيس باراك أوباما ووزير الخارجية، آنذاك، جون كيرى (كان فى استطاعتهما عقد صفقة أفضل كثيرًا). والآن، سيحصل على فرصته ليظهر أن بإمكانه القيام بما لم يتمكنا منه.
فى الوقت نفسه سيكون على ترامب عقد صفقة مع كوريا الشمالية أغلظ من الصفقة الإيرانية التى أحرقها لتوّه. وهذا يعنى أن كوريا الشمالية سيكون عليها أن توافق على إجراءات تحقق تطفلية على نحو غير مسبوق، ولن يكون عليها تجميد أو تقليص حجم برنامجها النووى فحسب بل القضاء عليه تمامًا. آه، وسيكون على كوريا الشمالية، مثلها مثل إيران، أن تفكك برامجها غير النووية، المكونة فى حالتها من صواريخ باليستية وترسانات كيميائية وبيولوجية.
إن جميع البرامج أكثر تطورًا فى كوريا الشمالية، ففى الوقت الذى تمتلك فيه إيران البنية التحتية لتطوير أسلحة نووية تمتلك كوريا الشمالية أصلًا من ٢٠ إلى ٦٠ من رأس حربى نووى. وتكشف عدم دقة هذا الرقم فى حد ذاته مدى صعوبة تطبيق أية اتفاقية: فإذا لم تكن تعلم حجم ترسانة كوريا الشمالية كيف ستتأكد من أن كيم جون أون قد فكك كل شىء؟ ولكن اطمئنوا، يقول أعظم مَن يبرم صفقات فى العالم: «لن يتلاعب بنا، تمام؟» ليس كالإدارات السابقة.
واعتبرونى مشككًا فى أن ترامب سيعقد صفقات أفضل تكون «دائمة ويمكن التحقق منها ولا رجعة فيها». أعتقد أن احتمالات الفشل التام -لا ينقص توعد إيران بل يزيد وتحصل كوريا الشمالية على تخفيف فى العقوبات مقابل وعود فارغة بـ«نزع السلاح النووى»- أكبر من احتمالات النجاح. ولكنى سأسعد بإثبات أننى مخطئ. وإذا استطاع ترامب فعلًا الحصول على صفقات أفضل من طهران وبيونج يانج سيستحق جائزة نوبل للسلام التى يرشحه لها مؤيدوه. وهناك شىء واحد مؤكد وهو أن أيًّا كان ما سيحققه أو لم يحققه ترامب سيزعم أنها «أعظم» صفقة على الإطلاق.

 


ماكس بووت
كاتب عمود بجريدة وزميل دراسات الأمن القومى بمجلس العلاقات الخارجية ومحلل الشؤون العالمية فى قناة «سى إن إن».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.