المصالحة.. أوهام الإخوان.. وهل الحكومة فى حاجة إليهم ليتصالحوا معهم؟

طارق أبو السعد



المصالحة.. أوهام الإخوان.. وهل الحكومة فى حاجة إليهم ليتصالحوا معهم؟



المصالحة بين الإخوان والحكومة هاجس يسكن جسد وعقل جماعة الإخوان المسلمين أفرادا وقيادة، فالإخوان جماعة تريد المصالحة لكنها «خايفة يبان عليها أنها تراجعت واستسلمت»، الإخوان تريد المصالحة على أن يكونوا هم اليد العليا، وأنهم المنتصرون، إنهم يخشون رد فعل شباب الإخوان، لأنه سيكون عنيفا ومدويا، وخصوصا أنهم الجيل الذى دفع ثمن تهور قياداته وثمن اختلافهم، وكل ذنبهم أنهم سمعوا وأطاعوا، الآن وبعد أن فقد الإخوان كل أدواتهم فى ممارسة دورهم فى المجتمع، لم يعد لديهم إلا أن يتصالح معهم النظام الحالى على أمل أن يتصالح معهم الشعب فى المستقبل أو على الأقل يستطيع أن يغير وجهة نظره فى ما حدث من تاريخ. المصالحة هى الأمل الوحيد الباقى للإخوان، فأدوات الإخوان السابقة كانت ممارسة الانتشار فى المجتمع وكسب أنصار ومؤيدين وأتباع وأعضاء عبر العمل تحت ستار الدعوة الإسلامية والتى لم تكن دعوة ولا إسلامية، بل هى طعم لاستدراج الشباب فى حبائل التنظيم أو فى شباك الأفكار فيظل الفرد يخدم فكرة الإخوان حتى لو لم يكن عضوا فيها، ثم المسار السياسى لنشر أفكارهم والاقتراب من الحكم واحتلال صفوف المعارضة، ثم الحصول على الشرعية الشعبية التى كانت بديلا للشرعية القانونية فالإخوان وإن كانت جماعة غير رسمية قانونا فقد تم حلها فى ٢٩ أكتوبر ١٩٥٤، إلا أن قبول الشعب بها والتعامل معهم بصفتهم لا بأشخاصهم كان يعطيها شرعية أقوى من القانون، وآخر أدوات الإخوان العداء لأوروبا وأمريكا وإسرائيل بالترويج أن أوروبا الصليبية وأمريكا الصهيونية وإسرائيل اليهودية وروسيا الكافرة الملحدة كلهم يقفون عائقا أمام مشروعهم، اليوم كل هذه الأدوات حرقت تماما، فالشرعية الشعبية سحبها الشعب منهم شكلا وموضوعا، والمسار السياسى الآن مسدود والحزب لم يعد له وجود، أما مشروع الإخوان الفكرى الدعوى الوسطى سقط تماما بقيامهم بعمليات إرهابية وقتل أو محاولات قتل وتفجير لمنشآت الحكومة عبر اللجان النوعية، وسقط مشروع الإخوان بوصولهم إلى الحكم وتعاليهم على الشعب فى أثناء الحكم وسبهم لنفس الشعب بعد ثورة 30 يونيو، وظهر جليا رعاية بريطانيا والاتحاد الأوروبى للإخوان ووقوف أمريكا مساندا لهم إلى الآن وحرص الإخوان على الوقوف أمام باب الكونجرس يلتمسون منه أن يعيدهم إلى الحكم! سقط ادعاؤهم أنهم ضد الغرب وأن الغرب يتآمر عليهم.. إذن ليس أمامهم إلا المصالحة والعودة إلى نقطة الصفر ولملمة شعث التنظيم، لكن كيف؟ الإخوان لمن لا يعرفهم لا يتحركون بنفس طريقة الناس الطبيعيين، ففى الحياة السياسية لو أن حزبا ارتكب ما ارتكبه الإخوان فعليه أن يغير القيادة وأن يحاسبها وأن يقدم اعتذاره للمجتمع ويبدأ صفحة جديدة، إلا أن الإخوان لاعتبارات خاصة بالتكوين الفكرى والنفسى لا يسمحون لأنفسهم بالاعتراف بالخطأ فهم أعلى من أن يخطئوا وأكبر من أن يعتذروا، لهذا كل فترة يروجون للمصالحة عبر شخصيات قريبة منهم أو محسوبة عليهم، تحت مزاعم أن الحكومة والنظام هو من يريد أن يتصالح معهم طلبا للرحمة، هذه النقطة بالذات تحتاج إلى تفسير، لماذا يزعم الإخوان دائما أن الآخر هو من يريد أن يتصالح معهم وأنهم يرفضون المصالحة بكل إباء؟ يا سادة يملك الإخوان المسلمون قدرا كبيرا من أحلام اليقظة التى تجعلهم يتخيلون أنفسهم يدخلون القاهرة منتصرين وقادة المجلس العسكرى مكبلين بالسلاسل وراء سيارة المرشد أو مرسى، يتخيلون يوم أن يخرج قادة الإخوان من السجون منتصرين مكبرين مهللين، وليس هذا كل شىء بل يتصورون أن كل من عارض الإخوان سيقف منكس الرأس على باب خيمة المرشد ينتظر العفو.. ينتظرون أن يعترف الشعب بجريمته فى حق الإخوان، الشعب الذى وصفوه بأنه شعب بهايم وعبيد البيادة، وأنه لا يصلح لهم إلا ضرب الجزمة، هذا الحلم أو قل الوهم لا يغادر مخيلة أى أخ فى الإخوان كان من كان! كبيرا أو صغيرا، قائدا أو جنديا، ولأن الواقع مؤلم جدا ويقول إن الإخوان كجماعة تعانى من عدة إشكاليات وجودية فعلا، أهمها وأخطرها تفكك التنظيم، فقد كانوا يشيعون أنهم أقوى تنظيم فى الوجود وأنهم يملكون كل القدرات اللازمة لإقامة الدولة الإسلامية التى يحلمون بها، الآن تعالت أصوات داخل الإخوان بخطأ الفكرة وبضلال المنهج، وهذا كاف لتحلل الإخوان، فالحل لن يكون إلا فى مصالحة يأتى بها قادة الإخوان تخرج بعض القيادات وبعدها يتم تبريد المشكلة التى بين الإخوان والنظام، من أجل الحفاظ على التنظيم، فكل أملهم أن يرجعوا مرة أخرى يسمح لهم بعقد اللقاءات التنظيمية والتربوية ولو لمدة خمس سنوات، وهذه الفترة يعلمون أنها كافية لأن تجعل التنظيم يلملم نفسه ثانية، ويبدأ فى اختيار موضوعات جديدة يهل بها على المجتمع ومسارات عمل جديدة، ويبدأ فى تغيير موضوعه فى خريطة العمل السياسى والاجتماعى، وبعدها يغير من جلده تماما.. فقط أملهم أن يسمح لهم النظام بعقد لقاءاتهم التنظيمية والتربوية، هنا السؤال: هل سيسمح النظام لهم؟ وهل النظام محتاج لهم؟ النظام لا يحتاج إلى الإخوان فى المرحلة الحالية، فالدور الذى كان يقوم به تنظيم الإخوان سابقا لم يعد مطلوبا فى الوقت الحالى، فأدوات الحكم الآن ليس فيها أحزاب ولا معارضة ولا حياة سياسية أساسا، لا شكلية ولا فعلية، فما الضرورة لأن يتصالح النظام مع الإخوان؟ هل لوقف العمليات الإرهابية؟ إذا كان كذلك فلمَ لم يتصالح ومصر تتعرض لأشرس عمليات إرهابية ضد قواتنا المسلحة فى سيناء وفى الدلتا، كان وقتها من السهل تبرير المصالحة بالحفاظ على الدماء وعلى أبنائنا.. إلخ، أما الآن وبعد أن دفعنا ثمن صمودنا ورفضنا لجماعات التطرف والإرهاب وبعد أن كادت المعركة تنتهى بانتصار مصر، تأتى المصالحة لتضيع على الشعب بهجة صموده وانتصاره! لكن لو تتبعنا حكايات المصالحة سنكتشف من يقف وراءها، دائما وأبدا كل من تحدث عن المصالحة جاء بها إلينا عبر وسيط غربى، فبريطانيا لن تترك الإخوان تموت، ستظل تحميهم وتوفر لهم الملاذ الآمن دائما، فالدور الوظيفى لوجود جماعات دينية متعصبة أو على الأقل تنشر التعصب مهم لسياسة بريطانيا ومن بعدها أمريكا، لماذا؟ لأن وجود هذا التيار يقوم باستنزاف قدرات الوطن فى معارك وهمية، ويقوم بتجهيز المجتمع للاستقطاب الذى هو بداية الحرب الأهلية أو على الأقل عدم وجود سلام مجتمعى، ووجود مثل هذه التيارات الدينية المتعصبة يمنع المجتمع من أن ينفذ بصدق وببصيرة إلى صلب مشكلته، وما دام المجتمع لا يعرف مشكلته فلن يعرف الحل ولن يعرف كيف يصل إلى شط الأمان، فيظل المجتمع فى تيه فكرى وسياسى إلى الأبد، لهذا سيقف الغرب «الصليبى الكافر الملحد» أهم مساند للتيارات الدينية المتشددة، وستظل الحكومات المتعاقبة يراودها دائما شبح استغلال هذه التيارات على أمل أن تكون فى خدمتها وليس فى خدمة الغرب، وما لا يعرفه حكامنا أن الذئب مهما ارتدى ثياب الحمل سيظل يحمل جيناته الذئبية، وفور تمكنه من ضحيته لن يتصرف كحمل بل كذئب، فإلى كل الداعين للمصالحة «سواء من الإخوان أو من داخل النظام أو من الغرب» توقفوا عن أوهامكم؛ فالشعب هذه المرة يملك ذاكرته ويعرف جيدا من عدوه ومن صديقه. استقيموا يرحمكم الله.



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.