مافيا إخفاء الأموال المنهوبة

رانيا جابر



مافيا إخفاء الأموال المنهوبة



فى مقدمة هذا الكتاب المهم «مافيا إخفاء الأموال المنهوبة» الصادر حديثًا عن مكتبة الأسرة، يسأل مؤلفه نيكولاس شاكسون سؤالا خطيرًا وهو «كيف رحل الاستعمار من الباب الأمامى ثم تسلل عائدًا من نافذة جانبية؟»، وخطورته تكمن فى أنه يلخص القضية التى نحن بصدد الحديث عنها وهى قضية الأموال التى تُنهَب من قوت الشعوب النامية لكى تطير إلى بنوك أوروبا وأمريكا فيتم استثمارها فى مشروعات جبارة تزيد من جبروت وطغيان تلك الشعوب على بلدان العالم الثالث.


فإن كان الاستعمار قد خلَّف لنا فقرًا مدقعًا، ولا يزال يغزونا ثقافيًّا ودينيًّا واقتصاديا، فإنه ربَّى لنا تلك المافيا ودربها جيدًا ليظل مستعمرًا هذه البلاد وإن كان قد خرج منها بعسكره وعتاده.


لكن الكاتب فى الوقت نفسه يؤكد أن مصطلح «هروب رأس المال» يلقى بعض المسؤولية على البلد الذى يفقد الأموال، فكل هروب لرأس المال من إفريقيا -مثلا- لا بد أن يكون له ما يناظره من تدفق للأموال فى مكان ما، مشيرًا إلى ما يسمى بنظام «الأوف شور» ذلك النظام الذى يربط «باريس وليبرفيل، لواندا وموسكو، قبرص ولندن، واشنطن والرياض، مكسيكو سيتى وجزر الكايمان»، ويربط أيضًا عالم الجريمة السرى بالنخب المالية، والمؤسسات الاستخباراتية بالشركات متعددة الجنسية.

إنه يحفز الصراعات ويشكل مدركاتنا ويخلق عدم الاستقرار المالى، بل يسلم جوائز وعطايا مذهلة للكبار المهمين والمهيمنين.

إن الأوف شور هو الكيفية التى يعمل من خلالها عالم القوة والسلطة الآن.


يقول لنا الكتاب إن هذا النظام يتخذ من الولايات المتحدة مقرًّا له، والتى تلوح دوما بمدى من الإعفاءات الضريبية وضمانات السرية وقوانين مصممة لجذب أموال الأجانب بأسلوب «أوف شور» حقيقى؛ فمثلا بإمكان بنوك الولايات المتحدة أن تقبل بشكل قانونى عائدات لبعض الجرائم مثل التعامل فى الأملاك المسروقة، ما دامت ترتكَب بالخارج، ويتم إجراء ترتيبات خاصة مع البنوك للتأكد من عدم إفشائها هويات الأجانب الذين يتركون أموالهم فى الولايات المتحدة.


وفى نفس السياق، فإن عالم الأوف شور ليس مجموعة من الدول المستقلة التى تمارس حقوقها السيادية فى سَن قوانينها ووضع أنظمتها الضريبية، بل هى مجموعة من شبكات النفوذ التى تتحكم فيها القوى العالمية العظمى، وخصوصًا بريطانيا والولايات المتحدة.. كل شبكة منها متداخلة، يستخدم الأفراد الأمريكيون الأثرياء الشبكات العنكبوتية البريطانية على نطاق واسع من خلال أفرع الأوف شور التى تبلغ ثمانيمئة وواحدًا وثمانين فرعًا.


وقد أحرزت مؤخرا حكومات بلدان منظمة التعاون الاقتصادى الثرية نجاحًا كبيرًا فى إقناع جماهيرها بأنها اتخذت إجراءات صارمة ضد الاختصاصات القضائية التى تضمن السرية، وهى مستمرة فى التعامل مع تدفقات هائلة من الأموال غير المشروعة، بل لقد ذهب الرئيس ساركوزى إلى ما هو أبعد عندما قال: «لقد انتهت الملاذات الضريبية والسرية المصرفية».


وفى أحد فصول الكتاب يشبِّه المؤلف نظام الأوف شور ببالوعات التنمية العميقة، حيث ظهر جيش جرار من المحامين والمحاسبين والمصرفيين من أجل ضمان نجاح النظام بأكمله وفرض سطوته على الدول الصغيرة.


لا يمكننا فهم الفقر فى إفريقيا دون فهم الأوف شور.. لسنوات طويلة ظلت أسوأ حرب فى العالم هى الحرب الأهلية فى جمهورية الكونغو، والتى ترتبط بنهب ثروات البلد وموارده المعدنية بالجملة عن طريق الملاذات الضريبية، وأيضًا الفساد المتفشى فى كل أنحاء العالم النامى، وتدمير الحكومات بشكل واسع النطاق من خلال المصالح الإجرامية، نجد الأوف شور هو كلمة السر فيها جميعًا.


ويرى الكاتب فى النهاية أن الحياة كلها أصبحت «أوف شور»، بعد أن تسلل هذا الوباء إلى بعض الدول الكبرى فاستعمر اقتصادياتها وأنظمتها السياسية.
 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..