عبد الله بن سبأ برىء من الفتنة الكُبرى




عبد الله بن سبأ برىء من الفتنة الكُبرى



نظر المؤرّخون المسلمون الكلاسيكيون، ومَن لفَّ لفّهم من المُحْدَثين، إلى كلّ الثورات على الطّغام الحاكمة، وحركات التذمّر، والتمرُّد على المفاسد السياسية والاجتماعية والدينية على أنَّها فتنةٌ، وهرْطَقة، وتجديف، وعمالة، فتبنّى هؤلاء المورّخون نظرية المؤامرة التى ترمى إلى التبرير للأنظمة الحاكمة التى حاول المؤرّخُ القديمُ تبريرَ مفاسدِها تحت وطْأة الأيديولوجيا، والتشهير بالثائرين لإلقاء تَبِعة الهزائم والمِحَن والتخلّف والاقتتال عليهم فيما ينْعَم الحاكمُ بهذا الغطاءِ الأيديولوجى الذى كفَله المؤرّخ المتعبّد بالنقل الآلىّ الجامد ممّن قبله دون إعمالِ عقلٍ، ودون اصطناع منهج يبنى عليه نظريّته التاريخية، ودون تفكيكٍ للوقائع والأحداث.


 ولعلّ إلقاءَ الضوءِ على أحداث الفتنة الكُبرى، وتفكيكَ أحداثها، وإخراجها من ذِهنيّة التبرير إلى ذهنية التفسير العقلى يساعد فى تجلية حقائقها بعيدًا عن نظرية المؤامرة التى تغرقنا فى متاهات الوهْم بعيدًا عن مثالبنا التى غرسناها بأيدينا لا بأيدى الآخرين، وإن كانوا يرومُون إهلاكنا وتدميرنا، إلا أنّنا نُدمّرُ أنفسنا أوّلا ثمّ هم يُكملون ما بدأناه، ويرْتقون ما أفسدناه.


 لا يُنكر المؤرّخون وجودَ صراع، بدأ فى العام 35 هـ، وحركات تمرّد وثورة سياسية / اجتماعية من جرّاء سياسة الخليفة الثالث عثمان بن عفان – رضى الله عنه – التى أفرزت واقعًا جديدًا يُغاير الواقعَ الذى كان فى خلافة الشيخين: أبى بكر وعمر – رضى الله عنهما - فامتلك بنو أميّة مساحات شاسعة وغير محدودة من الأراضى المُنتِجة، وبسط الأمويون نفوذهم على بعض الولايات التى ولاهم إياها الخليفة عثمان، وكثرت الأموال فى أيديهم، فحازوا أموال الخراج والفىء، فقد ذكر البلاذرى فى «فتوح البلدان: ص 273» أنّ عثمان بن عفان أوّل مَن أقطَع العراق، فاستنّ سياسات مالية سمحت بمُبادلة ملكيّة الأراضى بين العراق والحجاز فتملّك الحجازيون مساحات شاسعة من أراضى العراق، وكانت أعظم الغنائم وهى أراضى «الصوافى» تحت تصرّف آل عثمان، إذ كانت هى أعظم الغنائم وقتها خصوصًا بعد فتوحات خراسان وإفريقية، وكانت أكثر الصوافى التى كانت موقوفة على بيت المال فى سواد العراق، ولقد تنبّه معاوية بن أبى سفيان لتلك الصوافى فكتب إلى عثمان أنْ يقطعه إياها وتذرّع إلى ذلك بأن يقوم «بمُؤنِ من يقدم عليه من وفود الأجناد ورسل أمرائهم، ومن يقدم عليه من رسل الروم ووفودها» «تهذيب تاريخ دمشق: 1/ 184»، وحاول البعض أنْ يُفسّر هذا الأمر بعيدًا عن الواقعية فادّعى أنّ معاوية إنما حرص على امتلاك تلك الصوافى ليستخدمها فى تثبيت دعائم الدولة، وحفظ وَحدة الأمَّة (..)، لكنّ الأمر بخلاف ذلك لأنّ جزءًا عظيمًا من تلك الأموال توجّه إلى قبائل الشام التى كانت تحت طوْع معاوية إبّان صراعه مع علىّ بن أبى طالب، كما أنّ حيازة الأمويين لتلك الأراضى أحدث اضطرابًا اجتماعيًّا عظيمًا ممّا جعل أصحابَ الأملاكِ الزراعية الصغيرة التى استولى عليها الأمويون فى جانب الثائرين المناهضين لسياسة عثمان وذويه؛ لذلك تركّزت الثورة فى البيئات الزراعية كسواد العراق، ووادى النيل وهما يتطابقان فى أسلوب «الزراعة الفيْضيَّة».


 كانت «المسألة الزراعية» هى حجر الأساس الذى انبنت عليه الثورة التى اصطُلح على أنها «الفتنة الكبرى» التى أصَّلَت لصراعٍ لا يزال صداه بيننا، ونشأ عن ذلك الصراع فريقان: فريقُ على وشيعته، وفريقُ معاويةَ وجنده، ومما يؤكّد أنّ المسألة الزراعية كانت هى الأساس فى الثـورة قـول السيدة عائشة – رضى الله عنها - حين علمت بمقتل عثمان «إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا» «الكامل لابن الأثير: 3/90»، وانقسم المسلمون، فخرج أصحاب الجمَل «عائشة – الزبير – طلحة رضوان الله عليهم» على خلافة علىّ ابتغاء القصاص من قتَلة عثمان، وخرج معاوية عليه أيضًا بادّعاء نفس السبب!!


 لكنّك تجدُ مؤرّخى النقل ممّن يعتمدون على الروايات المنقولة من بعضها نقلًا آليًّا دون إعمال عقل أو منطق يُكْبرون من أمر رجُلٍ يُدعَى «عبد الله بن سبأ اليهودى» فيُرْجعون إليه دورًا أسطوريًّا بالغًا فى إحداثِ تلك الفتنةِ من بدايتها إلى نهايتها، ورموا من ينكر دوره الأسطورى هذا بأنه شيعى الهوَى أو ينهلُ من مَعِين المستشرقين، ونحن لا ننكر وجود شخصية كابن سبأ فى التاريخ بالرغم من أنّ أوّل من ذكره هو سيف بن عمر التميمى الذى نقل عنه: الطبرى، البغدادى، البلاذرى، المقريزى، السيوطى، ابن كثير،.... وغيرهم عنه أحواله فى الفتنة التى وقعت، وهو عند أهل الحديث، فقد روُوا: «كان عبد الله بن سبأ يهوديًّا من أهل صنعاء أُمّه سوداء فأسلم زمن عثمان، ثم تنقل فى بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع وقد قال الله: «إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ» [ القصص: 85 ]، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: قبل ذلك عنه، ووضح لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبى ولكل نبى وصى، وكان على وصى محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلى خاتم الأوصياء، ثم قال لهم بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووثب على وصى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتناول أمر الأمة , ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصىّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فانهضوا فى هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا الطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر، فبثّ دعاتِه وكاتَبَ من كان استفسده فى الأمصار وكاتبوه، ودعوه فى السرّ إلى ما عليه رأيهم.


 وأنت ترى فى تلك الرواية الموحّدة بين طائفة المؤرّخين الكلاسيكيين تلك الإمكانيات الأسطورية لابن سبأ الذى أرجعوا إليه كلّ تدمير حدث للمسلمين، وكلّ شقاق شجر بينهم فى تلك الفترة العصيبة التى دبّ فيها النزاع ونَمَتْ فيها الفتنة، فالرجل ذو الخوارق يطوف بالبلاد ويستميل الناس فى البصرة والكوفة ومصر لكن الشام عصيّة عليه (..) لأنها طوْعُ بنان معاوية، والرجل يعتمر بمصر فهى أرض الموالى وأهل الذّمّة، كما أنّ أهلها لم يتمكّن الإيمان من قلوبهم كما يدّعى المؤرّخون؛ لذا انقادتْ صاغرةً لابن سبأ ومعسول لسانه (..) وكأنّ المؤرّخ القديم يغفل عامدًا مُبرّرات الثورة والخروج والتمرّد على عثمان، فهو يغفل قمع عبد الله بن أبى السرح أخى عثمان من الرضاع وتغوّله فى جباية الجزية للإنفاق على جيش عقبة بن نافع الذى يغزو إفريقية، ورفضه إسلام الأقباط حتى لا يقلّ الخراج والجزية، وغير ذلك من مثالب والى مصر الأموى ابن أبى السرح، فالراوى القديم يضرب صفْحًا عن كل تلك الحقائق ثم يُرْجع الأمر كلّه لابن سبأ اليهودى فيحمل تبعة الأمر، وكيف لا يحملها وهو يهودى يُظهر الإسلام ويُبطن الكُفر (!!)
 ويضع المؤرّخ القديم نهاية درامية مأساوية لذلك السبئى اليهودى ابن السوداء فينسبون إليه أنه أول من كفر من الرافضة وقال: علىّ رب العالمين، فلما علم علىّ بذلك أحرقه وأصحابه بالنار (!!) واستشهدوا لذلك بحديث فى البخارى: عن عكرمة قال: أتى على رضى الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تعذبوا بعذاب الله».. قال ابن حجر فى شرح الحديث بعد أن ذكر بعض الروايات فى هؤلاء المحرقين وفيها: أنهم ناس كانوا يعبدون الأصنام، وفى بعضها أنهم قوم ارتدوا عن الإسلام، وعلى اختلاف بين الروايات فى تعيينهم قال بعد ذلك: وزعم أبو المظفر الإسفرايينى فى «الملل والنحل» أن الذين أحرقهم علىّ طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية وهم السبئية، وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديًّا أظهر الإسلام، وابتدع هذه المقالة، وهذا يمكن أن يكون أصله: ما رويناه من حديث أبى طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامرى قال: قيل لعلىّ: إن هنا قومًا على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم وقال: ويلكم ما تقولون؟  قالوا: أنت ربنا خالقنا ورازقنا، ثم ساق بقية الرواية وفيها أن عليًّا - رضى الله عنه - استتابهم ثلاثًا فلم يرجعوا، فحرقهم بالنار فى أخاديد قد حُفرت لهم، وقال:
 لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا.. أجّجت نارى ودعوت قنبرًا
قال ابن حجر: وهذا سند حسن «فتح البارى: 12/ 270».


إنه الراوى الذى يتلبّس بالنصوص دون تفكيك لحوادث التاريخ، ودون تحليل له بحسب العوامل السوسيولوجية والاقتصادية التى تحكم طائفة كبيرة فى مساره الإنسانى، قال المرحوم طه حسين: «إنّ الذين يُكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحدّ يُسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافًا شديدًا».



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...