فستان فرح يشعل فتنة طائفية

رانيا جابر



فستان فرح يشعل فتنة طائفية



انطلقت رواية رباب كساب الأخيرة «فستان فرح» والصادرة عن دار الكتاب العربى للنشر من حالة ركود عامة وإحباط مميت يملأ قلوب شخصياتها الكثيرة والمتشابكة مع بعضها البعض، رغم ما يبدو للمتلقى للوهلة الأولى من تنافرها الواضح، حيث تعيش كل شخصية فى دائرة حياتها الخاصة المغلقة بما فيها من آلام وأحلام باحثة عن ثغرة فى الجدار كى ترى النور البعيد ولو لمرة واحدة.


تبدأ الرواية بمشهد أحمد «الأهبل» وهو يهجم على فتاة فى الشارع ليقلد أحد المطربين ممن شاهدهم فى تليفزيون مقهى المعلم حسين، ثم يتسع الكادر لنرى شخصيات تلك الحارة البسيطة، فها هى «رضوى» المدرسة المطلقة التى لديها طفلان من «وجدى» الأستاذ الجامعى، وتعانى من معاكسات شريف صاحب مكتب الترجمة التى تعمل به فى الفترة المسائية، وهو الذى سيقع فى ما بعد فى حب عميق يقلب حياته مع «شيرى» ابنة منير وكيل المدرسة المسيحى الطيب الذى يمشى جنب الحائط، والذى يرفض الدروس الخصوصية، والذى يموت ابنه فى حادث مروع، لكن «مى» زميلتها العاشقة للجنس تلقى بحبالها حول «وجدى» الذى يشبع جسدها رغم ما هو مشهور به من أنانية وبخل.


هناك أيضا «عايدة» ناظرة المدرسة التقليدية التى تهب حياتها لرسالة التعليم وتربطها صداقة وطيدة بمنير وزوجته «ماتيلدا»، وبـ«رضوى»، كما نرى «هند» التى تزوجت رغما عن أهلها والتى دخل زوجها السجن ليترك لها تركة ثقيلة من الفقر المدقع والأولاد الذين مثل النمل، ويعجب بها المعلم حسين وتستجيب له بعد تمنع، وثمة علاقة روحية نلمسها بين «رضوى» و«الأهبل» الذى يعشق رضوى عشقا لا يستوعب كنهه، وهى تتعاطف معه تعاطفا جارفا لا تدرى ما مصدره، وهو ما يذكرنا بفيلم «مبروك وبلبل» ليحيى الفخرانى ودلال عبد العزيز.


يمتاز السرد فى الرواية بالفضفضة، التى لا تكتفى بالحكى ولكن بمعاتبة الشخصيات ومحاسبتها وخصوصا الشخصيات النسائية التى ألقت بنفسها فى مستنقع الجنس.


ومع تفجر ثورة يناير تكشف كل شخصية ما كان خافيا عنها من الصمود والتحدى والتضحية بلا مقابل لنصبح كلنا فى حالة توحد فمصر هى كل الناس فى الداخل والخارج، وتصير الشخصية الأسوأ هى التى تكره مصلحة البلد، مثل «حسين» ذلك المشارك فى تنظيم موقعة الجمل التى قتل فيها الكثير من الثوار الأبرياء.


وتتحول الرواية من الخاص إلى العام فتكسر الشخصيات قيد أنانيتها وترد مشكلاتها إلى أسبابها الجوهرية وجذورها الأعمق، مثل الفساد والقمع الذى عاشته البلاد لعقود طويلة جعل من كل فرد فيها ديكتاتورا صغيرا على الآخر، ومن ثم فلم يعد قهر الرجل المرأة هو ما تريد الرواية أن تؤكده أو تحاول التخلص منه، بل أصبح قهر السلطة الغاشمة لهما معا وسحقها لإنسانيتهما معا.


من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الرواية قد ألمحت فى أجزاء كثيرة منها إلى الفتنة الطائفية خصوصا فى علاقة شريف بشيرى ابنة منير المسيحى، تلك الفتنة التى نشأت عن العشوائية والتردى الأخلاقى والاجتماعى وأفرزت تلك الشرذمة التى تتاجر باسم الدين فوصلنا إلى ما نحن فيه من التخبط والانحطاط، إلى أن جاءت ثورة 30 يونيو فلبست مصر «فستان الفرح» القشيب.


لم تلوِ رباب كساب عنق الحكى، وإنما تركت نفسها ليس فقط لتيار الإبداع المتدفق كى يخط نفسه على الورق بل تركت نفسها وإبداعها كلية لحركة وتيار التاريخ فى لحظة نادرة التكرار، لحظة ثورة شعبية حقيقية مهما أرجف المرجفون والمداهنون حولها، تلك الثورة التى جذبتها هى وروايتها إلى مناطق إبداعية وإنسانية شديدة الدهشة.. مناطق قادرة على منح تلك الرواية صورا متعددة من متعة التلقى والتحليل وطرح الأسئلة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..