رؤى بعيدة لمستقبل ربما لن يجىء

شعبان ناجى



 رؤى بعيدة لمستقبل ربما لن يجىء



كتاب «رؤى بعيدة لمستقبل واعد» الصادر عن مؤسسة اليمامة بالسعودية لمؤلفه الدكتور فيصل غرايبة، يتناول مجموعة من ثمرات الفكر العربى الإصلاحى المعاصر، تحت عناوين مختلفة تتعلق بتحولات العالم فى العصر الحديث، والمجتمع المدنى، والربيع العربى، والمرأة فى ثقافتنا، والمشاركة، وتحديات الإعلام فى العصر الرقمى، ودور وسائل التواصل الاجتماعى فى التحولات المستقبلية، والإبداع، ودور المفكِّر والمثقف فى المجتمع، والسوسيولوجيا والأدب، والأنساق الثقافية، وغيرها من مراجعات ومناقشات.


وقد رصد الكاتب المقولات التى قالها أو عبر عنها المفكرون العرب المعاصرون المنشغلون بقضايا التنمية، والديمقراطية، والمواطنة، والانتماء، وقد اختار المؤلف مجموعة من الكتب العربية لكتّاب عرب ممن قدموا صفحات ناصعة فى الفكر والأدب مكللا أفكارهم بأسئلة حول الذات والآخر مضمنا تلك الأسئلة بإجابات عن دور المرأة فى المجتمع المدنى، والعلاقة الجدلية بين الشرق والغرب.


 ومن أهم الكتب التى تناولها المؤلف، وأبدع فى قراءتها كتاب «الأمير» لميكافيللى إذ يربطه بتطورات الأوضاع الجديدة فى العالم العربى، خصوصا فى كل ما أصطلح تسميته بالربيع العربى، عارضًا فى كتابه مقولة لميكافيللى: «إن طبائع الشعوب متقلبة، لذا يكون من السهل إقناعها بأمر ما، ولكن من الصعوبة بمكان حملها على الالتزام بقناعتها لأمد طويل».


إن الرؤى التى صاغها الدكتور فيصل غرايبة، معلقاً ومعقباً ومناقشاً، تضىء عبر التجليات المعرفية العناصر المؤثرة فى مسيرة التقدم فى المجتمع العربى، وفي استشراف الحلول لمعضلة الإصلاح والتنمية، التى يؤكدها برؤيته الخاصة القائلة بضرورة أن تقوم الدول العربية بتوفير أكبر قدر من الأمن لمؤسساتها، وتنظيماتها ومواطنيها، فى إطار العدالة الاجتماعية.


إن الكتاب يركز على البحث فى العلل الكامنة وراء إشكالية العلاقة بين المثقف العربى والواقع الراهن بكل معطياته.


واعتبر مؤلف الكتاب أن مؤلّفه يدرس العلاقة القائمة بين المثقف العربى المعاصر والواقع، من خلال استقراء طبيعة المعالجة المعرفية، والتى تضمنتها المقولات والأفكار التى طرحها المفكرون المعاصرون.
وقد بين أن الفكر العربى المعاصر يوجه اللوم إلى طبيعتين فى المجتمع العربى، هما: طبيعة الثقافة العربية، وطبيعة التربية العربية، حيث إن هاتين الطبيعيتين تكادان تكبلان الأجيال فتعجز عن المضى نحو المستقبل، باعتبارهما تحثان على الانشداد للماضى مما يجعل النخبة العربية فى حالة قلق مستمرة.
يقدم الكتاب وجبة دسمة للقارئ تمكنه من الاستفادة، والاستمتاع بهذا العمل القيم من خلال قراءة كتاب واحد يلخص حصيلة آراء المفكرين، فضلًا عن أنه يقدم تشخيصًا لحالة التردى الذى يعانى منها الوطن العربى وأهم العوامل المؤثرة فى إعاقة مسيرة الإصلاح والتطور، لا سيما منها ما هو داخلى يخصنا، وآخر خارجى علينا التعامل معه بحسم وموضوعية.


لكننا نرى أن كاتبنا متفائل كثيرًا فيما يختص بالمستقبل الواعد الذى يتحدث عنه كتابه، فالآفاق العربية لا تبشر بأى خير على الأقل فى الفترة الحالية، ولا نحب الخوض فى تلك الأمور، فالكل يعرف أسباب التراجع، والمؤلف نفسه قد أقرها فى كتابه.


وجملة القول إن الكاتب ينبش فى الماضى ويستشرف المستقبل معتمدًا على مخزونه المعرفى، ومتابعاته لتطورات الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى مختلف الأقطار العربية، وهو جهد مكثف وعميق وتحليلات تتسم بالتنبؤ الحذر، وقد وظف د. غرايبة خبراته العملية والعلمية فى التخطيط الاستراتيجى الذى يهدف إلى الارتقاء بعيش الناس، وبحسب ما توصل إليه فإن مفهوم رفع الإنتاجية، يرتكز على المبادرات الخلاقة، وبناء الخطط وتعديلها من أجل مواكبة العصر.


إن الكتاب ينتمى بمضمونه إلى باب معرفى واضح ومحدد فى الدراسات العربية الفكرية، لكنه يخط لنفسه ضمن هذا الباب خطا فريدا مختلفا ومستقلا من حيث الشكل والأسلوب وطريقة معالجة الموضوع.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.