الضغط على آخر ما تبقّى للطبقة الوسطى!




الضغط على آخر ما تبقّى للطبقة الوسطى!



لا يمكن أن يُنكر أحدٌ فى مصر أنّ الدكتور طارق شوقى وزير التربية والتعليم، لا يألو جُهدًا فى سبيل تطوير المنظومة التعليمية برمّتها، للارتقاء بالتعليم، وربطه بمنظومة التعليم العالمى المتطورة، ولعلّ ذلك هو ما يدفع الرجل إلى الإعلان المتسارِع عن خُططه خلال الفترة المقبلة، فبعد أيام من إعلانه عن نظام التعليم الجديد، الذى يتضمّن الثانوية العامة، إذا به يفاجئ أولياء أمور الطلاب بالمدارس التجريبية بتطبيق الدراسة باللغة العربية، لأنها -حسب تصريحاته- لغة القرآن «..»، الأمر الذى أحدث ردود أفعال غاضبة، طوال الأسبوع الماضى وحتى الآن!

مما هو معروف أن فلسفة إنشاء المدارس التجريبية التى أنشئت فى عام 1985، تقوم على تقديم مستوى تعليمى راقٍ يخدم ما تبقّى من الطبقة الوسطى، ولا أدلّ على ذلك من أن معظم أوائل الثانوية العامة، طوال السنوات الماضية، قد تخرّجوا فيها، الأمر الذى يعنى أن تلك المدارس تقدّم مستوى تعليميًّا جيدًا ينافس المدارس الخاصة، ويعمل على مساعدة الطلاب على الإلمام الجيد باللغات التى هى بمثابة كلمة السرّ فى سوق العمل، وتمايُز الخريجين بعضهم عن بعض، لذلك كان قرار الدكتور طارق شوقى بتعريب تلك المدارس صادمًا لكثيرين، خصوصًا أولياء أمور طلاب تلك المدارس، فهم يتساءلون عن أسباب ذلك، ولماذا لم يشمل قرار الوزير المدارس الدولية أو حتى المدارس الخاصة؟!
الأمر الأكثر غرابة فى تصريحات وزير التعليم المتتالية أنه لم يقدّم حتى الآن إلى مجلس النواب خطة متكاملة لتطوير التعليم فى ضوء استراتيجية 2030، وبالتالى تفتقد تلك التصريحات -حتى الآن- الإطار العام الذى يحكمها، فإنها تصدر فى فراغ، إذ إن خطة تطوير التعليم لم يتم التوافق عليها لا من مجلس النواب، الذى لم يعرفها بالأساس سوى من التصريحات «الشوقية»، ولا من المجتمع، حتى يتم التوافق عليها وخلق تربة شعبية لقبولها وتحديثها.
أهم ما يميز التعليم التجريبى أنه يقف صامدًا فى وجه التعليم الخاص، ذى التكلفة الباهظة، والتعليم الدولى، الذى لا ينعم به سوى الأغنياء، ولا أدرى هل الحرص على المحافظة على القومية والهوية المصرية والعربية يلزم معه تعريب المواد فى المدارس التجريبية؟! بالطبع، لا يلزم ذلك، فما الذى يمنع طلاب تلك المدارس من تعلّم اللغة العربية بصورة جيدة؟! كما لا أدرى لماذا لم ينبّه أحدهم وزير التعليم إلى أن دولة متقدمة تكنولوجيا كالهند -مثلًا- تدرس العلوم بلغة غير لغتها الأم «الهندية»، ولعل هذا -فى المقام الأول- هو سبب تفوقهم النوعى الكبير على كثير من الدول، والوزير يعرف تمامًا المراتب الكبيرة التى وصل إليها الهنود فى أوروبا وأمريكا، وما ذلك إلا لأنهم اهتموا باللغة الإنجليزية، كونها لغة عالمية، الأمر الذى انعكس بالإيجاب على الطلاب والمتعلمين هناك، وبالتالى فكلام الوزير طارق شوقى عن أنه لا يوجَد بلد فى العالم لا تدرّس العلوم بلغة غير لغتها غير صحيح بالمرة، فإلمام الطلاب وإجادتهم لغة عالمية كالإنجليزية أو الفرنسية، وهم فى مراحل تعليمهم الأولى، إنما يحمل من الإفادة والرقى الكثير، ومجرد وجود ضعف فى اللغة العربية لا يعنى إلغاء اللغات!
وكالعادة، كان كلام الوزير طارق شوقى غير سياسى تمامًا، فالرجل افتقد اللياقة السياسية عندما صرّح بشىء من الغضب أن هذا قراره الخير ولن يتراجع عنه وأن مَن يعترض عليه فليقُم بتعليم أبنائه بالخارج «..»، وتبدو تلك التصريحات منطقية جدًّا ومتساوقة جدًّا جدًّا مع اختيار الوزراء فى مصر من غير السياسيين، ولا يفوتنى أن أُذكّر الوزير «شوقى» بأن القرارات الفوقية الفردية لا تبنى ولا تؤهّل لتطوير من أى نوع!
قرار الوزير طارق شوقى الخاص بالمدارس التجريبية يضغط على الطبقة المتوسطة، ويفتّ فى عضد أولياء الأمور، الذين يحاولون إلحاق أبنائهم بمستويات تعليمية معقولة، فليس من المعقول أو المنطقى إلغاء اللغات بذريعة تعليم اللغة العربية وإجادتها، فيا خوفى لا «نطول بلح الشام ولا عنب اليمن»!



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...