لولا السياسة ما منع أبو بكر ميراث آل بيت النبى!

أسماء العماوى



لولا السياسة ما منع أبو بكر ميراث آل بيت النبى!



ذكرت كتب السيرة أن النبى كان يختص بخُمس الغنائم، ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وذلك بحسب ما تجلى فى قوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..» «الأنفال: 41»، فلما ولى أبو بكر أسقط سهم النبى وسهم ذى القربى، ومنع بنى هاشم من الخُمس، وذلك حين أرسلت إليه فاطمة -ابنة النبى- تسأله ميراثها من رسول الله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقى من خُمس خيبر، فأبَى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فما كان من فاطمة إلا أن وجدت أى «غضبت» على أبى بكر وهجرته ولم تكلمه حتى توفيت.

وفى رواية أخرى أن العباس عم النبى قد ذهب مع فاطمة لأبى بكر يسألونه ميراثهم من النبى، فما كان من أبى بكر إلا أن يحتج بحديث ينسب إلى النبى فحواه: أن النبى قال: «لا نُورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإنى (أى أبو بكر) لا أُغير أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته».
ولنا أن نتساءل: هل لم يسمع آل بيت النبى بهذا الحديث حتى يطالبوا أبا بكر بما يخالفه؟ ويزداد الأمر غرابة إذ نجد من بين هؤلاء «أى آل بيت النبى» وزوجاته إلا عائشة بنت أبى بكر على علم بهذا الحديث! إذ رُوى عن عائشة تقول: أرسل أزواج النبى «ص»، عثمان بن عفان إلى أبى بكر يسأل لهن ميراثهن مما أفاء الله على رسوله، حتى كنت أنا رددتهن عن ذلك، فقلت: ألا تتقين الله؟ ألم تعلمن أن رسول الله كان يقول، فذكرت الحديث السالف!
مما يُحيل ربما إلى عدم القطع بصحة الحديث، إلى الأمر الذى جعل الزهراء تحتج على أبى بكر بحسب ما جاء فى خطبتها حين دخولها عليه وهو فى حشد من الأنصار والمهاجرين، متهمة إياه فى البداية بأخذ ما تركه النبى -والذى يبدو أنه لم ينحصر فى المال فقط- على حد قولها له: «لئن مت يا أبا بكر من يرثك؟ قال: ولدى وأهلى، فقالت: فلِم أنت ورثت رسول الله دون ولده وأهله، قال: ما فعلت يا بنت رسول الله، قالت: بلى، إنك عمدت إلى فدك وكانت صافية لرسول الله فأخذتها منا، وعمدت إلى ما أنزله الله من السماء فرفعته عنا»، ثم أردفت تستند إلى مشروعية إرثها على قوله تعالى: «يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» «مريم: 6»، وكذلك احتجت بعموم آيات المواريث كقوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ» «النساء: 11»،، منكرة ومستنكرة تخصيص هذه الآيات بحديث النبى، إذ قالت: أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبى وابن عمى؟!
وإذ لا نجد ربما داعيا لمنع أبى بكر ميراث آل البيت، إلا كان سياسيا بالأساس، خصوصا إذا تأملنا تفسير الآية السادسة من سورة مريم، التى راحت فاطمة تستشهد بها على أحقية إرثها من النبى، لا سيما وقد راح العلماء يختلفون على ماهية الإرث فى الآية بين المال، أو العلم، أو النبوة أو بالأحرى «الخلافة»، لأن وراثة النبوة محال، بنحو ما أقر القرطبى فى تفسيره بقوله: معنى «يرثنى ويرث من آل يعقوب» فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة، قيل: هى وراثة نبوة. وقيل: وراثة حكمة. وقيل: هى وراثة مال. فأما قولهم وراثة نبوة فمحال؛ لأن النبوة لا تورث، ووراثة العلم والحكمة مذهب حسن؛ وفى الحديث العلماء ورثة الأنبياء.. وأما وراثة المال فلا يمتنع، وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبى: لا نورث، ما تركنا صدقة فهذا لا حجة فيه.
وبناء على ذلك فلم يكن المال هو محور الإشكالية بل لعلها الخلافة والسلطة التى راح يمنع أبو بكر توريثها لآل البيت، قياسا على منع توريث المال بالضرورة، ولعل ما يحقق ذلك هو قول أبو بكر لفاطمة: سمعت رسول الله يقول: «إن النبى لا يورث، ولكنى أعول من كان النبى يعوله، وأنفق على من كان النبى ينفق عليه».



أقرأ أيضا