فى مصر.. الوزير يشاهد والمواطن يدفع!

محمد جمال الدين



فى مصر.. الوزير يشاهد والمواطن يدفع!



بالأمس القريب قرأت خبرا فى صفحة الحوادث بإحدى الجرائد اليومية، يقول نصه: إن المحكمة التأديبية العليا عاقبت عددا من مسؤولى ماسبيرو باللوم والغرامة، بعد إدانتهم فى تهمة دفع اشتراكات باقات القنوات المشفرة من أموال اتحاد الإذاعة والتليفزيون لوزراء ومسؤولين سابقين فى عهد الرئيس الأسبق «حسنى مبارك»، حيث قضت المحكمة بمعاقبة كل من رئيس الهندسة الإذاعية باتحاد الإذاعة والتليفزيون «السابق» ورئيسة الإدارة المركزية لانتشار الموجات، ومشرف الإدارة العامة للأقمار الصناعية بعقوبة اللوم للمتهمة الثانية والغرامة لباقى المتهمين، أكدت المحكمة فى حيثيات حكمها أنها اطمأنت إلى ثبوت التهم فى حق المتهمين، حيث إنهم أصدروا قرارات بالموافقة على سداد قيمة الاشتراكات السنوية لباقة قنوات «الأوربت وسوبر ميجل» المشفرة على أجهزة الاستقبال بمحل إقامة عدد من الوزراء والمسؤولين السابقين، دون وجه حق، واستخراج شيك بالمبلغ من الجهة الإدارية لصالح شركة الأنظمة الرقمية الخاصة، قيمة تركيبات أجهزة الاستقبال للوزراء والمسؤولين السابقين فى محل إقامتهم، وأضافت المحكمة أن هذه المخالفات الجسيمة التى ارتكبها المتهمون، كانت دون وجه حق، ومن شأنها الإضرار العمدى بالمال العام لتربيح الغير، وأنهم سهلوا الاستيلاء على المال العام، وأهملوا فيه، مما ينبغى معه معاقبتهم ليكون ذلك رادعا لغيرهم.

انتهى الخبر الذى قد لا يسترعى انتباه أحد، فهو مثله مثل غيره من الأخبار التى تتناقلها الصحف يوميا، عن قضايا الفساد والإهمال وإهدار المال العام، ولكنه لم ينتهِ إذا بحثنا عن أسبابه وعمن استفاد منه، لأن هذه الجريمة متكررة بل ومتفشية فى المجتمع المصرى، وتتواكب مع صدور القانون الخاص بمرتبات ومعاشات الوزراء الذى صدر مؤخرا، ليقف بجانبهم يا حرام لأنها لا تكفيهم ولا تكفى أسرهم، وحتى نجد فى النهاية من يقبل أن يشغل منصب وزير فى الحكومة المصرية، وهو المنصب الذى بات الجميع يهرب منه ومن مشكلاته.. بداية نحن لم نعرف من هو هذا الوزير أو ذاك «سابق كان أم أسبق» الذى ارتضى على نفسه وعلى أسرته أن ينتفع بمشاهدة قنوات مشفرة يتم دفع «حسابها» من جيوب دافعى الضرائب البسطاء الذين فى نهاية الأمر يوفرون قوت يومهم بالكاد، فالخبر المنشور فى الصحيفة لم يحدد من هم هؤلاء الوزراء، وإن كان قد حدد العهد الذى تولوا فيه المسؤولية، ولكنه يطرح العديد من التساؤلات التى لابد أن تكون لها إجابة، مثل: هل الاستمتاع بمشاهدة كل «ما لذ وطاب» من برامج وأفلام ومسلسلات حديثة وأحداث رياضية عالمية، وجميعها لا يشاهدها عامة الشعب، تأتى من ضمن المزايا الممنوحة لكل من يشغل منصب الوزير؟ وهل سيادة الوزير يحتاج إلى نوع من أنواع الترفيه، تخفف عن كاهله مشكلات وتحديات وصعوبات المنصب، فتم تقديم هذه المنحة له ولأسرته، وحتى نضمن راحته التامة النفسية والاجتماعية سواء فى الوزارة أو فى منزله؟ وهل تعد مشاهدة هذه القنوات وما يماثلها من عروض «مثل هدايا المؤسسات الصحفية»، والتى كانت تقدم للوزير «الفلانى أو العلانى» الذين اختصهم حكم المحكمة التأديبية العليا، تعد جريمة من جرائم الرشوة؟ أم تعد وسيلة سريعة لكسب الرضا السامى؟ وأخيرا هل مسؤولو ماسبيرو المشار إليهم فى حكم المحكمة، قاموا بهذا التصرف من تلقاء أنفسهم، ودون تلقى أوامر من جهة عليا؟
جميعها أسئلة كنا نأمل أن يجيب عليها الحكم القضائى، الذى نجله ونحترمه ولا نعترض عليه، وإن كنت أتمنى أن يتضمن الحكم عقاب هؤلاء الوزراء أو المسؤولين بتغريمهم ماليا بقيمة ما شاهدوه فى هذه القنوات، فهم من وجهة نظرى مدانون أيضا لسابق معرفتهم أن هذه «الفرجة» أو المشاهدة ليست من حقهم، حتى تطمئن قلوبنا وتشفى من الحقد والغل الذى سكنها وأورثونا إياه من جراء اتباع سياسة التمييز والوساطة والمحسوبية، لمجرد كون الفرد وزيرا أو ابن مسؤول كبير، رغم أنه فى النهاية سيادة الوزير ليس سوى موظف عام أوكل له المجتمع القيام بمهام وظيفته مثل جميع موظفى مصر، المتساوين فى الحقوق والواجبات، أما الامتيازات إياها والتى سمحت للبعض بامتلاك الأراضى وشراء الشقق والشاليهات نظير مبالغ لا تذكر والسماح لهم بمشاهدة قنوات مشفرة على حساب الشعب، فأصحابها ليسوا منا ولن يكون لهم وجود بيننا، وهذا ثابت فى حقهم بحكم القضاء الذى أجبر البعض من هؤلاء كبيرهم وصغيرهم برد ما أخذوه عنوة أو بحكم مناصبهم كامتياز ممنوح لهم إلى خزينة الدولة، وملفات جهاز الكسب غير المشروع تضم العديد من مثل هذه النماذج التى تؤكد ذلك، والتى نتمنى أن تذهب بلا رجعة، حتى لا تأتى على كل ما هو طيب فى هذا البلد.

 



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.