نطور التعليم لطلاب لا يذهبون إلى المدارس

طارق أبو السعد



نطور التعليم لطلاب لا يذهبون إلى المدارس



لا يزال الدكتور طارق شوقى يعيش فى أوهامه التى يتخيل أنها تطوير، لا يزال معالى الوزير يسمع لنفسه وفقط، بالأمس القريب خرج إلينا بقانون للثانوية العامة دون دراسة، يزعم أنه قانون سيحارب الدروس الخصوصية، وقد أوضحنا له فى أكثر من مقال وبالبرهان أن قانونه يحمل فى طياته دعما للدروس الخصوصية، ولأنه لم يسمع للناصحين ولأنه يسير فى طريقه مختالا، فلم يكتفِ بهذا القانون، بل قام بإلغاء المدارس التجريبية تحت مزاعم حماية اللغة العربية! كنت سأحترم هذا القرار لو كان نبع عن دراسة أو عمل لجنة تربوية وطنية، لأنها ستكون قد قامت بإحصاء دقيق للمخرجات التربوية، ووضعت مقياسا علميا دقيقا تقيس به كل المخرجات التعليمية من المدارس التجريبة، فاكتشفت أن هذا النوع من التعليم خطر على مصر فأوصت بإلغائه، لو كان قرار الوزير بهذا الشكل لم يكن لدى أى اعتراض، أما وأن الوزير اتخذ القرار منفردا، فأقولها ورزقى على الله: إن إلغاء التجريبيات قرار متسرع غير مدروس، يخدم أصحاب النفوذ فى الوطن، ويضر الطبقة المتوسطة جدا، لست مع المدارس التجريبية ولا ضدها، أنا فقط ضد العشوائية والقرارات المتسلطة، ضد العبث بمستقبل الطلاب، ضد أن يتحول المجتمع المصرى لفئران تجارب لبعض المغامرين، الذين يجربون أفكارهم فإذا فشلت تجرعنا مرارة الفشل، وتقلد الفاشلون مناصب إدارية أخرى دون أى محاسبة أو حتى تأنيب ضمير، المدارس التجريبية التى أقدم على إلغائها الوزير دون سبب وجيه أنشئت طبقا للقرار الوزارى رقم 94 لسنة 1985 تحت اسم «المدارس التجريبية الرسمية للغات»، وجاءت ضمن رؤية الدولة لتطوير التعليم فى الخطة الخمسية لمصر، وتغير اسمها حاليا إلى المدارس الرسمية طبقا للقرار الوزارى رقم 285 لسنة 2014، فى هذا النوع من التعليم يتم التدريس باللغة الإنجليزية لجميع المواد الدراسية، ما عدا مواد محدودة تدرس باللغة العربية، وتكون اللغة الفرنسية أو لغات أخرى كالألمانية هى اللغة الثانية، طبقا لرغبات الطلاب، تبدأ الدراسة بتلك المدارس من مرحلة رياض الأطفال وسن الالتحاق بها هو سن أربع سنوات، وتنقسم إلى رسمية للغات «التجريبية سابقا» وهى مدارس أقل كثافة من حيث عدد الطلاب من نظيرتها العامة، حيث لا يزيد عدد الطلاب فى الفصل عن 36 طالبا، ومصاريفها أعلى نسبيا، والثانية المدارس الرسمية المتميزة للغات «المستقبل سابقا»، وهى مدارس أقل كثافة طلابيا من نظيرتها الرسمية للغات حيث لا يزيد عدد الطلاب في الفصل عن 29 طالبا، ومصاريفها تقريبا ضعف مصاريف التجريبية، هذا النوع من التعليم كان يعد الأفضل بين المدارس الحكومية، فهو يتيح لأبناء الطبقات المتوسطة تعليما هادئا دون كثافة وبرسوم مرتفعة لكنها فى متناول اليد لا تقارن بالمدارس الخاصة أو المدارس الدولية الإنترناشونال، هذا النوع من التعليم الحكومى كان يتيح للطالب خريج المدارس التجريبية لغات أن يلتحق بتعليم عال لغات يسمح له فى المستقبل بفرص عمل أفضل، الآن وبعد قرار معاليه بإلغاء هذا النوع لم يعد للطبقة الوسطى أى بارقة أمل، لهذا كانت ثورة أولياء الأمور كبيرة وصرخاتهم عالية، ففى ظل الظروف الحالية كل من يبحث لأبنائه عن تعليم جيد عليه أن يلحقهم بالمدارس الخاصة ذات الرسوم والتكاليف الباهظة، مما سيؤدى إلى زيادة الأعباء على كاهل الأسرة ووقوعهم فريسة لأصحاب المدارس الخاصة التى ستشهد إقبالا كبيرا خلال الفترة القادمة.

أعود فأكرر أن قرار إلغاء التجريبيات غير مدروس وينهى تجربة ظلت لعدة عقود تقدم تعليما جيدا لأبناء الطبقة المتوسطة باللغة الإنجليزية لتكون عونا لهم فى الحياة، تم الإلغاء من دون دراسة ومن دون مراجعة ومن دون رؤية، فلم تكن التجريبيات سببا فى انهيار التعليم وحدها بل ربما كانت أملا للبعض، وبشأن تبرير الوزير قراره بأنه يستهدف التعريب فهى كلمة حق يراد بها باطل، ولو أراد النظام حقا تعريب العلوم فإن هناك خطوات جادة تسبق هذا القرار المفاجئ، منها إنشاء معجم علمى تاريخى للعربية، كما أن تعليم اللغات ليس له علاقة بتدريس اللغة العربية التى يخشى عليها الوزير والوزارة! لأنها مادة مستقلة ويتم تدريسها فى جميع مراحل التعليم، هذا القرار المتسرع جعل كثيرا من الأصوات تزعم أن هذا القرار جاء بعد ضغوط شديدة من صندوق النقد لأن شروط قرض البنك الدولى لمصر إلغاء كل ما هو مدعوم، من المحروقات إلى التعليم، مع غياب الشفافية وقرارات الوزير غير مفهومة، انتشرت الإشاعات حتى صدقها الناس وبدأ أهل الشر ينتشرون بين الناس ويقولون: هل يملك الوزير أن يلغى المدارس الدولية حفاظا على اللغة العربية أيضا؟ ولّا المطلوب إغلاق الطريق أمام البسطاء؟
إنها العشوائية والتخبط والشائعات وغياب الشفافية يا سادة، فهل هذا هو التطوير الذى بشرنا به معالى الوزير؟ وهل هذا ما تستحقه مصر؟ الكارثة أن الدكتور طارق يرى أن ما يقدمه هو رؤية فريدة للتعليم، وفوق كل هذا يرى أن من يعترض عليها لا يفهم، حتى إنه ينسب إليه قوله إن من يؤمن بالتطوير سيتم تدريبه واللى مش عاجبه يستقيل؟ ونحن نقول لمعاليه أولا إن ما تقدمه ليس تطويرا، ثانيا يحق لنا الاعتراض على ما تقدمه فى كل وقت وفى أى حين ما دُمنا نتبع الأصول والقواعد العلمية، أما التلويح بالاستبعاد عن طريق تكرار الاستقالة، فهو أمر مرفوض شكلا ومضمونا، فنحن نعمل فى الدولة المصرية وليس فى شركتك الخاصة، يا معالى الوزير نحن نؤمن بالتطوير المبنى على أسس علمية وليس على نزوات سلطوية، نؤمن بالتطوير الممنهج وليس أوهام التطوير، نؤمن بالدراسات الموثقة والمرتبة والممنهجة، نؤمن بالخطط القابلة للقياس، لنحاسب المنفذين على ضعف إنتاجيتهم، لكننا لا نؤمن بالتطوير المبنى على الأفكار الهشة والمفككة، وللأسف الشديد كل ما قدم إلى الآن فى مجال تطوير التعليم لا يرقى أن يكون خطة فلا رؤية واضحة ولا نمط للقياس متبع، ولا وجود للمرحلية. إن المقترحات التى حولها الوزير إلى واقع لم يراعِ البيئة الاجتماعية لها، ولم يراعِ قواعد التخطى، وأخيرا لم يراعِ البيئة التعليمية ولم يقدم أى تصور لتجهيز البيئة التعليمية لتنتج تعليما متطورا، هل نظر الوزير إلى البيئة التعليمية التى سيغرس فيها مشروعه لتطوير التعليم؟ إن أركان العملية التعليمية أربعة: معلم وطالب ومنهج وقواعد تنظم العلاقة بين الجميع.. والمدرسة مجرد مكان يلتقى فيه الأربعة أركان، الآن انتقل الدور الوظيفى للمدرسة إلى السنتر، والسبب هو الحرص على الحصول على تركيز أكبر وأن لا ينشغل الطالب بغير التعليم، هل يعلم الوزير أن كثيرا من القرارات هى منفرة فى الأساس؟ هل يعرف الوزير أن القرار الوزارى رقم 287 بتاريخ 19 سبتمبر 2016 بشأن لائحة الانضباط المدرسى لضوابط العلاقة بين أفراد المؤسسة التعليمية الذى أصدره الدكتور الهلالى الشربينى، لن يسمح بعودة الطلاب إلى المدارس أبدا، إن نظرة واحدة إلى القرار وبنوده تفسر لنا كيف ترى الوزارة المعلم وكيف ترى الطالب، وتفسر لنا لماذا سيظل الطلاب بعيدين عن المدارس وسيظلون فى السنتر، ولن يعودوا إلى المدرسة أبدا، فعندما يكون جل تفكير العملية التعليمية منصب على نوع الطرحة التى ترتديها الطالبة وهل هى سادة أبيض ولا مشجر فلا تطوير ولا تعليم، فعندما يكون تأخير الطالب عن الطابور أول مرة تحذير وثانى مرة استدعاء وثالث مرة قيام الأخصائى الاجتماعى بدارسة حالته، فهذا معناه أن القائمين على التعليم فى واد والطلاب فى واد آخر، البيئة التعليمية يا سادة هى أهم أسباب طرد الطلاب إلى السنتر التعليمى وإلى الدورس الخصوصية، إضافة إلى استمرار بقاء كليات القمة هى المستقبل المضمون للشباب، فبالتالى سيتنافس عليها قرابة 580 ألف طالب وطالبة مستجدون يؤدون امتحانات الثانوية العامة هذا العام، وكلما قلت الفرص زاد الصراع أى زاد الإقبال على الدروس الخصوصية، فهل يتوقف معالى الوزير قليلا ويبحث بصدق وجدية عن منهج علمى مجرب لتطوير التعليم وتوفير سوق علم للخريجين؟ هل يتوقف عن اتهام المخالفين له بأن عليهم أن يستقيلوا أو يقبلوا بالأمر الواقع؟ هل يمكن أن يكون وزيرا للتعليم بجد؟ ربنا يستر على المجتمع.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.