هل يريد النظام العالمى فعلًا القضاء على «داعش»؟!

د. نبيل فاروق



هل يريد النظام العالمى فعلًا القضاء على «داعش»؟!



الحرب مع تنظيم داعش استغرقت أطول مما ينبغى، بل أكثر مما تستحق، فالكل يؤكد ضرورة القضاء على تنظيم الدولة، ولكن ما ترصده على الساحة يتعارض منطقيًّا مع هذا وينطبق تمامًا على المثل الشعبى القديم «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب!». فالتنظيم، كما لا يخفى على أحد، يمكنه مواصلة الحرب لسنوات، ليس لأنه تنظيم قوى وعملاق، ولكن لأن هناك مَن يدعمه بمنتهى الإصرار بالمال والعتاد والسلاح والمأوى والعلاج والتعويض.. والأخطر أن هناك مَن يدعمه استخباراتيًّا واستراتيجيًّا وتكتيكيًّا! فلو أنك طالعت تصريحات قادة التنظيم وهم يتباهون ويهددون ويتوعدون، لأدركت على الفور ودون الكثير من العبقرية أن هؤلاء مخبولون مختلون يستحيل عليهم وضع مثل تلك الخطط والاستراتيجيات لا التجهيز لضربات تكتيكية مدروسة، وهذا يعنى أنهم كلهم حتى كبار قادتهم ليسوا سوى بيادق شطرنج على رقعة وحشية يديرها نظام آخر أكثر احترافية وخبرة.. وقادة التنظيم أنفسهم قد لا يدركون أنهم يؤدون دور الليل، الليل يا ميمون، لأن هناك مقولة تؤكِّد أنه حتى الجاهل لابد له من لمحة من العلم تجعله يدرك أنه جاهل وكذلك الغبى إن لم يمتلك لمحة صغيرة من ذكاء تجعله يدرك أنه غبى، فلن يدرك هذا أبدًا.. ومنطق الأمور يقول إنه لو كانت روسيا وأوروبا وأمريكا وتركيا ترغب بالفعل فى القضاء على تنظيم الدولة، لما استغرقت تصفيته أسبوعَين على الأكثر.. يكفى قطع تمويل المال والسلاح عنه بمواجهة حقيقية ونية قوية وسينهار وحده.. ولكن الكل يعلن الحرب ويخفى التعاطف والتآزر.. أمريكا تتحدَّث عن حتمية القضاء على التنظيم، ثم تسقط عليه شحنة أسلحة متطورة وتدَّعى أنها أخطأت الهدف وكأنها تستخدم طائرات ورقية ليس بها جهاز تموضع عالمى، بحيث تسقط الأسلحة على العدو بدلًا من الصديق، هذا لو أن لها صديقًا! وتثير زوبعة وهمية عن هجوم مزعوم بالأسلحة الكيماوية، لكى تمنح نفسها شرعية وهمية لضرب الجيش السورى عندما توالت انتصاراته على التنظيم وأوشك على تصفيته.. وكلما تمت محاصرة مقاتلى التنظيم وأوشكوا على الاندحار ترتدى الولايات المتحدة ثوب الفضيلة والرحمة المزعومة وتطالب بخروج آمن للمقاتلين المحاصرين! وتركيا التى صارت تحت حكم ديكتاتورها الأردوغانى أشبه بألمانيا النازية تحت حكم أدولف هتلر، وبدأت فى سياسة استعمارية حقيرة تشبه ما بدأت به الحرب العالمية الثانية عندما احتل هتلر إقليم السوريت البولندى بحجة حماية الجالية الألمانية فيه.. الديكتاتور التركى الذى كاد يعتقل عشر سكان دولته بحجة الانقلاب الذى يشبه مؤامرة ستالين، للتخلص من كل معارضيه، وحريق الرايخستاج الذى اتخذه هتلر ذريعة للإطاحة بنواب الشعب ومعارضى النازية من أفراد الحزب الشيوعى.. الأهم أنه قد أقدم على هذا عندما صار القضاء على تنظيم داعش وشيكًا، وكأنه يلهى الجيش والقوات الموالية بحرب فرعية تمنح التنظيم فرصة التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفه.. ولا تقُل لى إن الدول العظمى بكل أجهزة مخابراتها واستخباراتها تجهل ماهية مَن يمدون تنظيم الدولة بالمال والسلاح، فالحكمة تقول: «إن كنت تدرى فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدرى فالمصيبة أعظم».. ولو طوَّرنا العبارة ووجّهناها إلى أجهزة الاستخبارات العالمية، فسنقول: «إن كنت تدرى فأنت متواطئ، وإن كنت لا تدرى فأنت فاشل».. لأن الواقع أنهم لا يعلمون فحسب، بل ويباركون أيضًا، لأن حربهم فعليًّا ليست مع «داعش» بل هى استمرار للخطة التى أعلنتها كونداليزا رايس فى «الواشنطون بوست»، فى أكتوبر ٢٠٠٤.. نشر الفوضى فى العالم العربى لإعادة تشكيله بما يتناسب مع المصالح الأمريكية.. والحرب طويلة الأمد هى الوسيلة المثلى لإرهاق أية أمة واستنزافها وإخضاعها فى النهاية.. وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى السؤال: هل يريدون بالفعل القضاء على تنظيم داعش؟!.. هل؟!



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...