أسئلة لم يجب عنها طارق شوقى

سامح عيد



أسئلة لم يجب عنها طارق شوقى



الوضع التعليمى فى مصر لا يُسر حبيبًا، وكذلك أى حراك وأية تجربة مهما كانت تستحق المجازفة، لأنه لا يوجد ما نخسره رغم كثرة التجارب التى مرَّت بهذا البلد، ولكن بما أننا ما زلنا نتراجع فلابد من التغيير، ووضع التعليم القائم على الحفظ والتلقين أصبح من أزمان غابرة لابد من تغييره، والفلسفة القائم عليها كلام الوزير أتفق معها، ورغم ذلك فهناك أسئلة مشروعة لأولياء الأمور الواقع عليهم عملية التغيير، فعندما تغيَّر نظام الثانوية العامة من عام واحد إلى عامَين تحت شعار مكافحة الدروس الخصوصية، كانت هناك أكبر حالة انتعاش للدروس الخصوصية لمدة عامين بدلًا من عام، فهل سيكون نظام السنوات الثلاث التراكمى تخفيفًا من الدروس أم زيادة لها؟ هذا ما ستُنبئنا به السنوات القادمة، ورغم ذلك يجب تقديم أسئلة مشروعة ولا يجب أن يغضب الوزير، بل يجب أن يتسع صدره لكل التساؤلات وكل التخوفات.

الطالب فى المرحلة الثانوية فى الصف الأول الثانوى يدرس ثلاث مواد أدبية، هى: الفلسفة والتاريخ والجغرافيا، ويدرس ثلاث مواد علمية، هى: الكيمياء والفيزياء والأحياء، وثلاث مواد أساسية، هى: اللغات (العربية واللغة الأجنبية الأولى واللغة الأجنبية الثانية)، بالإضافة إلى ثلاث مواد خارج المجموع، هى: الحاسب والدين والتربية الوطنية، بالإضافة إلى الأنشطة والتربية الرياضية، ولكن تخفيفًا على الطلاب فقد لجأت الوزارة من عدة سنوات إلى تقسيم المواد إلى ترمَين، لتقليل عدد المواد، فيكون تيرم فيه الفيزياء والجغرافيا والفلسفة، والتيرم الثانى فيه الكيمياء والأحياء والتاريخ، أو العكس، فالمدرسة تقسَّم نصفَين طبقًا للنظام القديم، بينما النظام الجديد يبدو فيه أن موضوع التقسيم سيكون مستحيلًا، إذ إن الطالب لديه أربعة امتحانات فى كل فرع فى العام الواحد، ولا يمكن ضغطها فى تيرم واحد.. نحن نتحدث عن 15 مادة تقريبًا!
القضية الثانية أنه بانتقال الطالب إلى الصف الثانى الثانوى يتخلص جزء من الطلاب من المواد الأدبية لتضاف إليه مواد علمية أخرى، الميكانيكا فى الصف الثانى بالنسبة إلى «العلمى»، وعلم النفس والاجتماع بالنسبة إلى «الأدبى»، وفى الصف الثالث تتسع علوم الرياضيات لتشمل 6 أفرع، وطلاب «علمى علوم» تزيد عليهم مادة الجيولوجيا، بالإضافة إلى الاقتصاد والإحصاء لكل الأقسام.
فى النظام الجديد، ما المواد التى ستثبت من المرحلة الأولى حتى المرحلة الثالثة، خصوصًا أن التصريحات تفيد أن النظام الجديد ستتلاشى معه كلمة «العلمى» و«الأدبى»؟ ماذا فى المراحل اللاحقة، هل ستزيد الرياضيات لتصل إلى 6 فروع للجميع، وستضاف الجيولوجيا للجميع وكذلك علم النفس وعلم الاجتماع وكذلك الاقتصاد والإحصاء؟ وكيف ستضاف مادة لتستحق 12 امتحانًا أخرى فى عامين فقط أو عام واحد لو أضيفت فى الصف الثالث؟!
سؤال مشروع آخر.. الطلاب الجدد لهم أوبشن جديد، وهو أفضل أربعة امتحانات سيتحصل عليها الطالب ستحسب له بدلًا من ستة للقادمين بعد ذلك، ماذا لو حقق طالب الدرجات النهائية فى أول أربعة امتحانات، هل سيقضى بقية الأعوام بين «البلاى استيشن» ومواقع التواصل الاجتماعى، بمعنى حيقضى سنتين «fun» ومش ضرورى درجات نهائية، ربما درجات مرضية له تؤهله لما ينتوى التأهل لدخوله؟!
سؤال آخر سأله أحد أولياء الأمور لمدرس صديق، قال له: أنا بافكَّر أسقَّط بنتى السنة دى عشان تلحق بالنظام الجديد، بيقولوا أفضل؟ فقال له صديقى: لم تتضح معالم النظام بعد، خلِّيها تنجح ولو ظهر نجاح النظام الجديد خليها تسقط فى تانية، وهنا يطرح السؤال نفسه: ما وضع الراسبين فى الصف الثانى أو الصف الثالث لاحقًا، فهل يلحقون بالنظام الجديد وهم لم يبدؤوا معه وتخلفوا عن امتحانات من النظام الجديد، أم سيظل هناك امتحانات نظام جديد ونظام قديم كما حدث فى الأعوام الماضية، إذ ظللنا ثلاث سنوات هناك امتحانات نظام قديم وحديث (نظام العامين ونظام العام الواحد) عندما تم تعديل نظام الثانوية العامة من عامين إلى عام واحد؟!
ما زال أولياء الأمور قلقين على معدلات صرفهم على الدروس الخصوصية ومتخوفين من زيادتها، وما سلطة المدرسة والمدرسين على الطلاب؟ فمن المؤكد أن كثيرًا من المدرسين شرفاء، ولكن التحوُّط واجب فى ظل ظروف مادية شديدة الصعوبة، وأوضاع مالية بائسة للمعلمين ورواتب ضئيلة، وبعضهم يعتمد بشكل كلى لتلبية احتياجاته الأساسية على الدروس الخصوصية، ولا يقُل لى الوزير إن الدروس ستنتهى، كل آمال أولياء الأمور أن تنخفض أو على الأقل تبقى على حالها، وتخوفهم الكبير أن ترتفع، لأنه مع مرور الوقت سيقع الطلاب تحت ضغط درجات امتحانات منخفضة، وهم فى أمس الحاجة إلى «اسكور»، لأن نظام التنسيق باقٍ كما هو كما صرح الوزير، مما سيضطر الطلاب إلى الاستعانة بالمدرسين بشكل «برايفت»، ليحل معهم امتحانات أكثر عن طريق بنك المعرفة، وبالطبع المعلمون سيبذلون جهدهم لتجميع أكبر كم من الأسئلة الجديدة، ليدربوا الطلاب عليها، وسيتكالب الطلاب على المعلمين الذين حققوا «اسكورات» أعلى لطلابهم.
فى ظل الوزير الأسبق كان هناك نظام يسمى «التحسين» يسمح للطالب بدخول المادة عدة مرات تحت دعاوى تخفيف حدة التوتر وما شابه ذلك، ولكنها باءت بالفشل ورفعت من معدلات التوتر وكانت سببًا فى الارتفاع الجنونى للتنسيق من 91% للطب فى عام 85 إلى 97% و98% وأكثر من ذلك.
هل سيستطيع بعض المعلمين ابتزاز الطلاب من خلال درجات الحضور وما شابه ذلك أم سيكون الطالب محصنًا ضد أى ابتزاز؟!
متوقع أيضًا معدلات سرقات للتابلات من الطلاب وآخرين سيبيعونها لتحقيق مآرب وقتية وسيدَّعون سرقتها، فكيف ستتعامل الوزارة؟! بالتأكيد سيتم بيعها، فالكثيرون من طبقات فقيرة ربما ترفض تعويض أبنائهم، لأنهم لا يجدون قوت يومهم حتى يصرفوا على تابلات معرضة للسرقة والتلف والضياع كل يوم.
ما فائدة الثانوية العامة المنتهية إذا كان التنسيق سيبقى كما هو وكل الطلاب لهم مقاعد فى تعليم ما بعد الثانوى حتى لو فوق متوسط؟ كانت الفلسفة التى تم الترويج لها أنه مع ثانوية عامة منتهية ليس بالضرورة أن كل الطلاب يكون لهم الحق فى تعليم ما بعد الثانوية العامة، وكنت مع هذه الفلسفة، لأنه بماذا تفيد مئات الآلاف التى تتخرج فى تجارة وحقوق كل عام وسوق العمل مشبعة ولا توجد أماكن لهم ويضطرون إلى العمل فى مهن أخرى وربما عمل مهنى بما يجعل جزءًا من عمرهم الأهم ضاع هدرًا من أجل الحصول على شهادة أصبحت لا تستحق التعليق فى الصالون كما فى السابق، ولا تستحق ثمن البرواز الذى توضع به؟! هل وقع الوزير تحت ضغط وتأثير الرأى العام فعاد إلى فكرة التنسيق التى تتنافى مع فلسفة الفكرة الجديدة لتكون الثانوية العامة شهادة مستقلة؟
هل هناك فقدان ثقة بين الشارع والحكومة، وتفسَّر القرارات بشكل سلبى على الدوام حتى لو حسنت النيَّات، هناك فعلًا ثقة مفقودة والحكومة كانت سببًا وراءها فى كثير من الأحداث السابقة، ويرى المواطن أن الحكومة تتآمر على مصالحه الشخصية ومن ضمنها تعليم جامعى مجانى كان ينعم به فى السابق.
وبالتأكيد هذه الثقة المفقودة تمثل عبئًا على وزير التعليم الجديد وقراراته الجريئة، حتى بدأ يضيق صدره وينفعل.
تحدثنا عن المرحلة الثانوية فقط وبعض الأسئلة المشروعة، أما الكلام عن التجريبى أو الرسمى والتعليم الموازى وغيرها من الأمور فله كلام آخر.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.