قوامة الرجل لا تعنى أفضليته على المرأة

عصام الزهيري



قوامة الرجل لا تعنى أفضليته على المرأة



أفرزت حادثة الإفك وضعًا اجتماعيًّا جديدًا، لا يوليه البحث الدينى – ربما بشكل مقصود – ما يستحقه من اهتمام، وهو وضع كانت كلمات السيدة عائشة فى التعليق عليه أفضل تعبير صريح ومباشر عنه، فقد جاء فى قولها: «وأيم الله لأنا كنت أحقر فى نفسى وأصغر شأنًا من أن ينزل الله فىَّ قرآنًا يقرأ به فى المساجد ويصلى به، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله فى نومه شيئًا يُكذّب به الله عنى، لما يعلم من براءتى أو يخبر خبرًا، فأما قرآن ينزل فىَّ، فوالله لنفسى أحقر عندى من ذلك».


كانت القضية كما شرحتها عبارات أقرب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم إليه، هو إحساسها بعظم مقامها عند زوج كرمه الله بالنبوة، وعظم مقامها كإنسان قبل أن تكون محض امرأة ومجرد زوجة يمكن أن تستبدل، ومن وراء ذلك إحساس المرأة المسلمة بعامة بعظم منزلتها فى الحياة الزوجية، ومقامها إزاء قوامة زوجها، هذا المقام الذى عززه مقال الوحى فى أعقاب حادثة الإفك، يبدو حجم ما كان يشكله من انقلاب فى تصورات رجال قبائل الجزيرة العربية تجاه المرأة نصيحة «علىّ بن أبى طالب» للنبى عندما قال له: «يا رسول الله، إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف»، هذه العبارة حملت تصورًا مغايرًا تمامًا لما حملته نظرة النبى لأحب زوجاته، من تمسك وتكريم وحب أدى إلى أن يعانى عذابًا أليمًا مدة شهر كامل – حسب رواية البخارى – حتى نزل الوحى بتبرئة أم المؤمنين.


ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن آى الوحى الذى جاء بتبرئة السيدة عائشة كان هو الأبعد أثرًا بكثير فى تعزيز وضع المرأة العربية، وبموجب هذه الآيات أقيم الحد على ثلاثة ممن نالوا بالكذب منها، منهم واحد من كبار الصحابة هو حسان بن ثابت، شاعر الرسول، كانت الآية الرابعة من سورة النور تقول: «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون».


لكن القصة لم تحسم عند هذا الحد، فقد انتهى حادث الإفك حقا، لكن ما بقى ظل مشكلا، وهو هذا المقام الجديد الذى حمله الوحى الإلهى للمرأة العربية وأثار سخط رجال مجتمع الجزيرة، إذ يروى «الطبرى» عن «ابن عباس» أنه قال: «لما نزلت هذه الآية (النور: 4) قال سعد بن عبادة: لهذا أنزلت يا رسول الله؟ والله إنى لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت لو وجدت لكاع (امرأة حمقاء ويقصد زوجته) قد تفخذها رجل، لم يكن لى أن أهيجه ولا أحركه حتى آتى بأربعة شهداء، والله لا آتى بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته. فوالله ما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من حديقة له فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله إنى جئت أهلى عشاء، فوجدت رجلا مع أهلى، رأيت بعينى وسمعت بأذنى، فكره رسول الله ما أتاه به وثقل عليه جدًّا، حتى عرف ذلك فى وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إنى لأرى الكراهة فى وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أنى صادق، وما قلت إلا حقًّا، فإنى لأرجو أن يجعل لى الله فرجا، واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته فى المسلمين؟ فهمّ رسول الله بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، حين عرفوا أن الوحى قد نزل، حتى فرغ، فأنزل الله: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين…) (النور: 6)، فقال رسول الله: أبشر يا هلال، فإن الله قد جعل لك فرجا».


وطبقا لرواية الطبرى، نزل الوحى ليجعل فرجا للأزواج الذين أصبحوا مطالبين بإثبات زنا زوجاتهم بأربعة شهود، لكنه ظل محافظًا كذلك على وضع المرأة الجديد، وكما يبدو من بقية آيات الوحى الكريم التى قالت: «والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين». «النور: 7،8،9»، فى هذه الآيات اعتبرت شهادة المرأة مساوية مكافئة معادلة لشهادة زوجها من جميع النواحى، بعد أن اعتبرت شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل.


كان واضحًا للمسلمين فى صدر الدعوة أن ما أسفر عنه حادث الإفك، وما تعرضت له خلاله السيدة عائشة من محنة، لم يكن أقل من إنصاف لوضع المرأة المسلمة فى مجتمع الجزيرة القبلى، وقد كان هذا الحادث – فى تصورى الشخصى – كافيًا لتحديد الحدود التى يجب أن تفهم فى داخلها فكرة قوامة الرجل على المرأة من منظور الوحى الإلهى.


و«القوامة» هى المفهوم الذى توسعت فيه فيما بعد فتاوى الفقه الذكورى معطية الرجل أفضليات وحقوقا مختلفة على المرأة لم ينزل بها الله من سلطان، لكن الأخطر، كان استخدام هذا المفهوم لترسيخ أسبقية الرجل أو قيادته أو «رئاسته» وترسيخ دونية المرأة خلال التاريخ الإسلامى كله، رغم أن أى نظرة منصفة تتوخى فهم المعنى القرآنى لمفهوم قوامة الرجل، لا بد أن ترى له أبعادا محدودة لا تقبل التوسعة ولا الاتساع، إذ يذكر «الواحدى النيسابورى» فى كتابه «أسباب النزول» عن هذه الآية الكريمة خبرًا عن «مقاتل بن سليمان» أن امرأة سعد نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: أفرشته كريمتى فلطمها، فقال النبى: لتقتص من زوجها، وانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النبى: ارجعوا، هذا جبريل عليه السلام أتانى، وأنزل الله هذه الآية: «الرجال قوامون على النساء»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أردنا أمرًا وأراد الله غيره، والذى أراد خيرًا، ورفع القصاص». وفى رواية أخرى: «أردنا أمرًا فأبى الله تعالى».


ويتضح فى خبر النزول، كما يرى القارئ، مدى انحسار فكرة القوامة كما نزل بها القرآن الكريم داخل حدود معينة محدودة، وقد لاحظ غير واحد من الباحثين ما أكد عليه النبى بقوله «أردنا أمرا»، وهذا الأمر الذى أراده النبى، وأراده من قبله وحى الله الشارع هو تعزيز وضع المرأة لا الإزراء به والنزول به وبها إلى ما دون مستوى إنسانيتها، عبر التوسع فى تطبيقات مفهوم القوامة على الصورة التى أصبح بها مفهوما من الآية – ويا للغرابة – وجود أفضلية ذكرية مطلقة للرجل على المرأة قد قال بها الله تعالى!، وهو مفهوم مستغرب لا تدل عليه الآية الكريمة سواء فهمت فى السياق بعموم اللفظ أو فهمت بخصوص سبب النزول، فلم تكن آية القوامة إلا درءا لخطأ النبى بإدراجه العلاقة بين الرجل وزوجته بكل ما تتميز به من خصوصية، ضمن تصورات أحكام القصاص فى التشريع الإسلامى.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...