قصة تحول الخادم المطيع إلى زعيم دينى

نرمين يُسر



قصة تحول الخادم المطيع إلى زعيم دينى



بعد روايته «نادى القتال»، وما نالته من شهرة واسعة، إذ تحولت إلى فيلم سينمائى، أطلق الكاتب المبدع تشاك بولانيك روايته الثانية بعنوان «الناجى الأخير» ترجمة هشام فهمى، من أول إصدارات الترجمة من دار منشورات الرمل.


لم يبتعد بلانيك عن الخط السردى السيكوباتى الملىء بالتعقيدات والاضطرابات النفسية بتناقضات شخوصها واضطرابهم الداخلى، فهنا يحكى بلانيك قصة تندر برانسون، وتحوله من فتى مطيع منتمٍ للطائفة الانتحارية الكريديشية إلى القائد الدينى الملهم الشهير صاحب المؤلفات الأعلى مبيعًا التى تبيع الوهم لمريديه، باعتباره آخر فرد من طائفته التى انتهت بانتحار أعضائها، فى حين أنه رفض ذلك. فقد كان رؤساء الطائفة يعتبرون الأطفال الذين يخرجونهم إلى العالم الخارجى -أى خارج الكنيسة- مبشرين عاملين، أى عندما يبلغ هؤلاء الأطفال السابعة عشرة من عمرهم، يسلمهم المشرفون «الكريديشيون» القائمون على متابعتهم فى تأدية أعمالهم المتفق عليها إلى بعض الأثرياء، وكانت الكنيسة تستحوذ على هذه النقود لصالح كَهنتها، بينما يحصل أثرياء العالم الخارجى على جيش كامل من الخادمات والبستانيين وغاسلى الأطباق المخلصين الذين تربوا على الإيمان بأن السبيل الوحيد للنجاة بالروح هو العمل حتى الموت مقابل لا شىء.


عاش برانسون نصف حياته الأول عبدًا لبشر امتلكوه باسم الدين، والنصف الثانى عبدًا للشهرة ورأس المال، حيث وصل اضطرابه إلى حد استحالة الحياة دون قائد يرشده وينصاع لأوامره، عاش خادمًا يتلقى الأوامر المكتوبة بدفتر يتركه له أسياده الذين لم يقابلهم يومًا، ثم صار خادمًا للرأسمالية التى عينت له مدير أعمال يذعن لسلطاته حتى يحوله إلى طريق المال والشهرة ويصنع منه زعيمًا دينيًّا أقرب للإله الذى يأتى بالمعجزات فى مقابل حملات دعائية وبرامج تليفزيونية يدعو من خلالها المريدون أدعية بمنزلة مُسَكِّن مؤقت للخلاص من آلامهم الجسمانية والنفسية، ويصب هذا العائد فى مصلحة الشركات الكبرى التى تبنت الناجى الأخير، فيطبعون كتبًا تحمل اسمه لم يؤلفها أو يقرأها، ويبيعون الأدوية والأمصال تحت رعايته وبركته من قبل أن يتم تصنيعها من الأساس، ولكن للحصول على ثقة المستهلك فحسب، لم يتحمل برانسون مثل هذه الحياة، خصوصًا بعد أن اعتاد حقن أوردته بالمهدئات ومضاد الاكتئاب كى يظهر فى أفضل حالاته أمام جمهوره، فقرر الانتحار عن طريق استقلال طائرة تخلص من ركابها وطيارها، واستقر فى كابينة الطيار كى يسجل شريط حياته على صندوق الطائرة الأسود.


يقدم بلانيك شخصيات أخرى مثيرة؛ مثل فرتيليتى الغامضة التى تتنبأ بالمستقبل، والتى ساعدت برانسون فى إتيان معجزات معروفة مسبقًا من خلال رؤيتها المستقبلية، وهناك آدم الضال، توأم برانسون غير المرغوب فى وجوده، كى لا يفقد برانسون لقب «الناجى الأخير» بظهور ناجٍ آخر.


تتعامل الرواية مع الدين كوسيلة يتلاعب بها الآخرون بالناس، سواءً عن طريق الدعاية أو التسويق، أو عن طريق الإرهاب العقلى والجسدى. وبهذا يصبح الدين الموضوع الأساسى للرواية، وبوجود الدين لا بد من وجود العنصر الثانى فى أى رواية، وهو الجنس، وهنا يتم التعامل معه كشىء حرَّمته الديانات وشددت عليه وحوَّلته إلى شبح مخيف يحذرون منه الأطفال.

وبناءً عليه لم يتورط برانسون فى علاقات نسائية بل يقوم بإشباع رغباته الجنسية عن طريق الإسقاط، وذلك بواسطة ارتكاب سرقات صغيرة من المتاجر تشعره بنوع من الرضا النفسى. بلا شك سوف تفاجئك قسوة الطرق المُتَّبعة لترهيب أتباع الطائفة من العلاقات الجنسية، وبالطبع كان ذلك يصب فى صالح أن يتم حصر هؤلاء الأطفال فى التركيز على الهدف الأكبر الذى وُلدوا من أجله، وهو التخرج من المستعمرة كأفضل العبيد.


وأخيرًا، إن رواية «الناجى الأخير» هى رواية من الإسقاطات الساخرة على المجتمع الأمريكى الرأسمالى الذى يفعل أى شىء، مستخدمًا شتى الطرق للوصول للكسب، وتوسيع تجارة المنتَج، وتقدم لنا فكرة قاسية عن مدى زيف العالم من حولنا، العالم الوَهْمى الذى تحول إلى سوق كبيرة تهدف إلى جذب المستهلك عن طريق استغلال ستار الدين ووعود الشفاء بأدوية لم تُصنَع، ومعجزات تتم بالخدع البصرية والمصادفة لكسب ثقة جمهور من المُغيبين راغبى الخلاص. الرواية لا تصلح لجلسة قراءة خفيفة أو على عجل ولا تصلح للقراءة على متن الطائرة فى إجازتك الصيفية، وإنما تُقرأ مع الكثير من التركيز والانتباه، وقد تحتاج لاستشارة طبيب نفسى بعد انتهائك منها.. إن لم تزل قادرًا على طرح الأسئلة والأخذ بالاستشارات!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...