نحو ثورة فى الفكر الدينى




 نحو ثورة فى الفكر الدينى



فى صفحة الكتاب السادسة، تشير دار رؤية للنشر والتوزيع إلى أن كتاب «نحو ثورة فى الفكر الدينى» هو فى الأصل مجموعة مقالات كتبها المفكر د.محمد النويهى، يرحمه الله، فى سبعينيات القرن الماضى، ورغم مرور سنوات على صدور هذه المقالات، فإن موضوعها لا يزال شديد الأهمية حتى اليوم فى أعقاب التراجع الثقافى والمعرفى الذى نعانى منه الآن، ولهذا حرصت الدار على تقديم هذا الكتاب إسهامًا منها فى عودة الوعى لعالمنا العربى؛ كى يصبح قادرًا على تجاوز الهزيمة والمحنة والتراجع ومناهضة روح الاستسلام هذه، وتشير الدار إلى أننا فى حاجة ماسة إلى ثورة ثقافية، عربية شاملة، فى السياسة والفلسفة والدين والاقتصاد والاجتماع والآداب، وشتى علوم المعرفة.


وفى فصل بعنوان «الدين وحرية الفكر» يرى النويهى أن المثقفين، إن أرادوا القيام بثورة فكرية شاملة جذرية، فهم يحتاجون إلى قدر عظيم من الشجاعة والاستعداد للتضحية حتى يقابلوا ما سيرميهم به المجتمع المحافظ من التُّهَم، وما سيثيره عليهم من العداوات، وهناك ثلاث تُهم ستلحق بهم فى الجانب الدينى، والأخلاقى، والقومى، وهم فى صراعهم المرير مع الأفكار والمُثل التى يُصر مجتمعنا المحافظ على التمسك بها، لا بد أن يدخلوا فى جدل قوى مع الخرافات والأوهام التى تختلط بالعقائد الدينية الصحيحة، وتتغلب فى أذهان الكثرة الغالبة من أفراد المجتمع، ومع التأويلات والتفسيرات القديمة لبعض مسائل الدين التى ربما كانت صالحة لأحوال ماضية، لكنها لم تعد صالحة للمجتمع الحديث، وهنا لن يميز أفراد المجتمع بسهولة بين ما هو خرافات تلبّست بالدين، وما هو عقائده الصحيحة، ولا بين ما هو من الأسس التى لا تقبل التغيير وما هو تأويل وتفسير يجوز أن يتغير ويجب أن يتغير، النويهى يرى أن أفراد المجتمع ربما يُخيّل إليهم أن هؤلاء المفكرين يعادون الدين نفسه ويحاولون إزالته، ومن هنا تثور اتهامات الكفر والإلحاد أو الزيغ والهرطقة.


النويهى يرى أيضًا أنه علينا أن نتذكر فى هذا المجال صراع القوى الرجعية لاستبقاء تفسيرها الذى يناسبها ويكفل لها استبقاء مصالحها وامتيازاتها، ويؤكد النويهى أن القوى الرجعية لا تزال فى شتى أركان العالم العربى تبث تفسيرًا معينًا لنصوص مقدسة معينة تغالى فى مدلولها وتفسيرها بما يلائم مصلحتها، وهو تفسير يبرر الفوارق بين الطبقات والظلم والأَثرة والإبقاء على التفاوت السحيق والرضى بالشقاء والحرمان على وجه الأرض، وحبس الأمل على العدل الذى سيتحقق فى ملكوت السماء فى الدار الآخرة، هذا وفى موضع آخر يتساءل النويهى: هل احتوى دين على نظام كامل نهائى يحل كل مشكلاتنا الحيوية ويضع تشريعًا يمكن تطبيقه على كل مسألة نشأت وستنشأ من شئون معاشنا الدنيوى؟ ويجيب أن هذا هو لا يزال يدَّعيه خطباء وكُتّاب كثيرون فى مختلف أقطارنا العربية، ولو سلّمنا لهم بهذا لأتحْنا لهم فرصة الحكم الدينى المتعصب بكل فظائعه وجرائمه التى سجلها التاريخ، لكن هل يجبرنا الإسلام على أن نسلّم لهم بدعواهم؟.. يجيب النويهى بأن الإسلام بكل مصادره لم يحاول قط أن يدّعى أنه قد وضع للناس نظامًا دنيويًّا كاملًا لا يقبل التغيير، بل إن التغيير وضروراته أصل من أصول التشريع الإسلامى نفسه، وفى هذا السياق يذكر النويهى مقولة الرسول الكريم لأصحابه: أنتم أعلم بأمور دنياكم، ثم يواصل تساؤلاته فيقول: إذا كنا أعلم بشؤون دنيانا من الرسول.. أفلا نكون أعلم من الصحابة والتابعين والفقهاء والعلماء الذين انقضى على آرائهم ما يزيد على ألف سنة تطورت فيها الإنسانية تطورًا عظيمًا وتغيرت تغيرًا بعيدًا؟



أقرأ أيضا