كراسة الثورة وميدان التحرير




 كراسة الثورة وميدان التحرير



عيون كثيرة بكت خوفًا على حلم ظلت تتهدده كل يوم خِسة أناس استكثروا على المصريين حلم الحرية والعدالة والكرامة، ودمعت من الضحك والامتلاء بالفرح والسعادة، عيون حملقت وملؤها الاندهاش مما كنا نختزنه بين جنباتنا من تحدٍّ وإصرار وصبر وإبداع وسخرية، هذا ما يكتبه مكاوى سعيد فى مقدمته لكتابه «كراسة التحرير.. حكايات وأمكنة» والصادر عن الدار المصرية اللبنانية.. مكاوى يذكر أنه لم يستعجل إخراج هذه الكراسات للنور لإيمانه أن الثورة ليست حدثًا مضى، فما زلنا فى بداياتها ولديه يقين أنها مستمرة وتسير صوب أهدافها رغم ما يعتور مسيرتها من انحرافات وانكسارات ومعوقات.. مكاوى يكتب كراساته هذه وكأنه يكتب رواية سردية أبطالها أشخاص وأماكن، وتحكى تفاصيل ما دار أثناء الثورة المصرية، راصدًا وقائع وأحداث شهدتها مصر فى تلك الفترة وكان هو شاهدًا عليها.. هنا يتابع مكاوى نهجه الذى بدأه فى كتابه مقتنيات وسط البلد الذى وضع البشر فى بؤرة الحكاية، ولم ينس الأماكن التى لا تشكل فقط خلفية للأحداث، لكنها تتشكل كجزء منها، كذلك يحاول مكاوى أن يكتب عن البشر أكثر مما يكتب عن الوقائع، عن الإنسان الذى هو روح الثورة وهدفها، هذه الكتابة يراها مكاوى متجاوزة للعقل السياسى بسخونته واهتزازاته العنيفة؛ لتستقر عند الإنسان بعمقه ووضوحه، كذلك حاول مكاوى أن يضم بين غلافى هذا الكتاب، إلى جانب البشر ومصائرهم والأماكن وتمثلاتها، تلك الروح التى سادت بين الناس فى الميدان، مكاوى لم ينسَ أن يضم الحيوانات لسفينة هذه الكراسات ليوضح كيف أن التحرير كان فى أيامه الثائرة عالمًا حقيقيًّا وملخصًا لقصة الإنسان فى ذروتها: قصة الثورة.. هذه الكراسات الصغيرة كما يراها مكاوى تحوى ما أراد أن يقوله عن الثورة راسمًا صورتها مثلما رآها.. فى كراسة الحكايات يكتب مكاوى سعيد عن صابرين تلك الفتاة الضامرة التى كان عمرها وقتها يقترب من الرابعة عشرة، يكتب عن نمر الثورة كمال خليل الذى تم اعتقاله يوم الخامس والعشرين من يناير وتم الإفراج عنه فى الثامن والعشرين من الشهر نفسه، يكتب عن بيير بسيونى الثورى الحالم وهو شخصية شهيرة فى وسط البلد بطوله الفارع وجسده البدين وشعره المسترسل خلفه، يكتب عن عم عبد التواب الذى اقترب من عتبة السبعين وثقلت عليه عِلل الشيخوخة بعد أن رحلت شريكة حياته.. فى مقال عنونه مكاوى بـ«تعالوا نلعب ثورة» يقول: يا حكماء مصر.. يا من بلغتم من العمر عتيّا.. نأسف لإبلاغكم بأنكم ملكمش لزمة.. مصر التى غالبية سكانها من الأطفال تبلغكم بأن الثورة مستمرة.. وفى مقاله «جماد وكائنات شاركت فى الثورة» يقول مكاوى: إن ثورتنا كما كانت فريدة فى تأثيرها المذهل على شعوب العالم، وفى إبرازها السريع فى الإطاحة برأس النظام، وفى توهجها الموحى والملهم لكل شعوب الأرض، كانت كذلك فريدة بمن شارك فيها من بشر وجماد ومناخ ونباتات وهواء وطيور وحيوانات، فقد حمل الهواء رسائلها عبر الإنترنت وأجهزة الاتصال الحديثة، وقلل من تأثير قنابل الغاز، وتحالف المناخ مع الثورة حين لم يُسقط مطره الغزير فى عز موسم الشتاء حتى لا يُفسد اعتصامها، أما فى مقاله «التكنولوجيا والأونطالوجيا» فيذكر مكاوى أن من طرائف السادات أنه كان يعتقد أن الإلكترون شىء يُمسك باليد كالمطواة أو البندقية، وبه نستطيع أن نقضى على أعدائنا، وقد وعد الشعب المصرى بأنه سيعطى كل فرد منهم فى يده عام 2000 إلكترونًا يفعل به ما يشاء، مكاوى كان يظن أن مرحلة التفكير الخزعبلى هذه قد انتهت بوفاة السادات، لكنه تبين أثناء الثورة أننا ما زلنا نعيشها.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...