المأمون تبنى رأى المعتزلة حول القرآن للتنكيل بأصحاب الحديث

أسماء العماوى



المأمون تبنى رأى المعتزلة حول القرآن للتنكيل بأصحاب الحديث



لعل المطَّلع على الروايات الخاصة بكيفية نزول الوحى على النبى، يدرك مدى الاختلاف الذى اتسمت به هذه الروايات، فقد اختلف العلماء فى البداية على كيفية نزول القرآن من «اللوح المحفوظ»، فيقول السيوطى فى «الإتقان»: اختلف العلماء فى كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال: أحدها: -وهذا هو الأصح على حد قوله- أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجمًا، والقول الثانى: إنه نزل به إلى السماء الدنيا فى عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين.. ثم نزل به بعد ذلك منجمًا، والقول الثالث: إنه ابتدئ إنزاله فى ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجمًا فى أوقات مختلفة».

وحسب هذه الروايات المختلفة -وإن ظاهريًّا- فى مقدار الأيام والسنين التى نزل فيها القرآن، إلا أنها أجمعت على الوجود الأزلى للقرآن جملة (أى مجموعًا وكاملًا) فى اللوح المحفوظ، وبهذا يكون الإنزال إنزالَين، الأول: إنزاله جملة إلى السماء الدنيا، وفى هذا الإنزال كان الاتصال بين الله وجبريل فقط، والثانى إنزاله منجمًا ومفرقًا حسب الأحوال، ويكون الاتصال هنا بين جبريل والنبى مباشرة، وذلك حسب ما روى السيوطى عن علِى بن سهل النيسابورى.
وإذ يبدو أن إقرار العلماء على الوجود الأزلى للقرآن والذى سيصطلح عليه علماء الكلام -أهل السُّنة منهم حصرًا- فى القول بـ«قِدم القرآن» (أى أن القرآن قديم قِدم الذات الإلهية) سيتنافى ربما مع ما جرى على القرآن ذاته من تدوين وجمع وحفظ فى المصاحف، علاوة على التنقيط والتشكيل البنيوى للآيات والسور وترتيبها، واختلاف وتعدد القراءات والأحرف للنص القرآنى المؤدى بالضرورة إلى اختلاف وتعددية الدلالة والمعنى لنصوصه وآياته، وعلى الرغم من محاولة العلماء حصر تعدد القراءات هذا فى زمن النبى -صلى الله عليه وسلم- فحسب، إذ لم ينقضِ هذا الزمن إلا وقد استقرت قراءة واحدة للقرآن، على حد قول الزركشى، فإن ما دون فى كتب علوم القرآن يكشف عن مدى الحضور الفعال لمعاصرى الوحى (أى الصحابة) فى تشكيل البنية التفسيرية الأولى للنص القرآنى -إن جاز هذا التعبير- إلى حد اختلافهم فى الأحكام المرتبطة ببعض الشعائر العبادية، كاختلافهم -على سبيل المثال لا الحصر- حول قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ…» «المائدة: 6»، فمنهم مَن قرأ «وأرجلَكم» نصبًا، بمعنى غسل الرجل دون المسح بها، ومنهم مَن قرأها الخفض «وأرجلِكم»، ومعناها مسح الأرجل فى الوضوء دون الغسل.
إلى جانب عملية النسخ المتضمنة تثبيت آيات وحذف أخرى من حيث التلاوة والحكم، بل وصل الأمر مع ابن مسعود بحذف سور قرآنية كاملة، وذلك لما جرى بامتناعه عن تدوين الفاتحة والمعوذتَين فى مصحفه.
هذا بالإضافة إلى ما ارتبط بالآيات من أسباب للنزول تتضمنت بالضرورة وقوع حوادث ووقائع معينة مرتبطة بما جرى بالواقع الاجتماعى آنذاك، إلى الحد الذى تنزل فيه قرآن على لسان بعض الصحابة -على حد قول السيوطى- الذى راح يسرد بعض الآيات التى نزلت على لسان عمر بن الخطاب على وجه الخصوص فى ما عُرف «بموافقات عمر» فيقول: «أخرج البخارى وغيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربى فى ثلاث، قُلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مُصلى، فنزلت: ‭»‬وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى» «البقرة: 125»، وقُلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يتحجبن؟ فنزلت آية الحجاب.
وإذ يبدو هكذا أن الإقرار بقِدم القرآن وأزليته فى اللوح المحفوظ تعلق -فى البداية (أى فى فترة الوحى)- بنفى أدنى فاعلية للنبى فى شأن القرآن والتأكيد أنه من لدّن الله، وليس مبتدعًا عن الهوى أى هوى النبى، وذلك فى سياق الرد على مَن رفضوا الدعوة المحمدية من مشركين وأهل كتاب، ومع ذلك فتؤكد بعض الروايات الخاصة بكيفية تلقِّى النبى الوحى من جبريل على الحضور الفعال للنبى فى تشكيل القرآن، خصوصًا من حيث البينة اللُغوية، وذلك بنحو ما أقر السيوطى بقوله: إن جبريل قد ألقى إلى النبى معانى الآيات فقط، وإن النبى عبَّر عن هذه المعانى بلغة العرب.
أما ما تعلق بالقول بقِدم القرآن من قِبل أهل السنة لاحقًا فى القرن الرابع الهجرى، فارتبط بما أثارته المعتزلة على وجه خاص بمسألة «خلق القرآن»، وبما تضمنه ذلك من معايير سياسية سلطوية، وصلت إلى حد تصفية الأنفس وقطع الرؤوس كما فعل المأمون مع أصحاب الحديث ومحاولته للتنكيل بهم عن طريق تبنيه رأى المعتزلة فى ما يخص «خلق القرآن»، وذلك لكسر شوكتهم وتحجيم سلطتهم على عامة بغداد على وجه الخصوص التى كانت علاقته بهم علاقة متوترة متربصة إلى حد تجرؤهم على القدوم بخلعه من الخلافة.
وبمثل ما كانت مسألة خلق القرآن مع المأمون ذات أساس سياسى، كانت كذلك مع المتوكل ولكن باختلاف التوجه، إذ توجه المتوكل إلى أصحاب الحديث فى مقابل تنكليه لأصحاب الاعتزال، إلى حد توعدهم بـ«المُطْبِقُ» (أى السِّجْنُ تحت الأَرض) مأواه إلى أن يموت، وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسُّنة.
وإذ يبدو وللغرابة أن قصة «غار حراء» المرتبطة بالانطلاق الأساسى للوحى ولحظة التلاقى والتجلى بين الملك (الرسول) الذى بعثه الله إلى النبى، لم يرد ذكرها مطلقًا فى القرآن، بل واختلفت الروايات بعضها البعض كما أدرجتها كتب السيرة والحديث، إذ يروى البخارى عن عائشة فبينما النبى فى غار حراء «جاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذنى فغطَّنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، قُلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطَّنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطَّنى الثالثة ثم أرسلنى، فقال: اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم».
وينفرد ابن إسحاق عن غيره مؤكدًا أن لقاء النبى الملكَ فى غار حراء كان عن طريق الرؤيا المنامية، فيقول عن النبى صلى الله عليه وسلم: «فجاءنى جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب»، ثم فى آخر الحديث، قال: «فانصرف عنى، وهببت من نومى، فكأنما كتبت فى قلبى كتابًا».
ولعل الاختلاف الحاصل بين هذه الروايات هو ما جعل العلماء يعددون صور الوحى الذى كان يتلقاه النبى، أدرجها السيوطى خمس صور، منها أن يأتيه الوحى مثل صلصلة الجرس، والثانية أن ينفث فى روعه، وهنا يأتى الوحى بمعنى الإلهام والإلقاء فى القلب والنفس، والثالثة أن يأتيه الملك فى صورة الرجل فيكلمه، والرابعة أن يرى النبى رؤيا صادقة، والخامسة أن يكلمه الله إما فى اليقظة كما فى ليلة الإسراء وإما فى النوم.
إن الإصرار على وجود القرآن جملة فى لوح محفوظ بما ينطوى على ذلك من نفى أية فاعلية للنبى فى تشكيله سواء على مستوى البنية اللُغوية كالتعبير عن ألفاظه، أو على مستوى المعنى خصوصًا أن الوحى قد كان يأتى النبى فى بعض الأحيان كالإلهام ثم يعبر هو عنه فى شكل آيات، ونفى فاعلية الصحابة من بعد النبى فى تشكيل البنية التفسيرية الأولى لهذا القرآن، هو بالضرورة نفى لارتباط القرآن بالواقع المتنزل فيه، مما يُحيل إلى فرضه قسرًا على الواقع المعيش الآن، ونفى أية محاولة للاجتهاد فى تفسيره ليتوافق مع هذا الواقع التعيس، مما يتنافى بالضرورة مع كونه صالحًا لكل زمان ومكان.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...